مصطفى المهاجر كائن حر بالفطرة

تاريخ النشر : 2017-11-09 00:00:00 أخر تحديث : 2017-11-20 23:44:08

مصطفى المهاجر كائن حر بالفطرة

يرحل جزءٌ مني مع رحيل كلّ صديق نبيل من هذا العالم. رحل اليوم للملكوت الأعلى أحدُ الملهِمين الأخلاقيين في حياتي، رحل مصطفى المهاجر، وهو الاسم الذي اختاره "صباح بن الشيخ ميرزا محمد بن شيخ حسين الأنصاري" يوم كنا معاً في المنفى.

 

 ولد صباح الأنصاري بمدينة العمارة جنوب العراق سنة 1952، وتخرج في كلية الهندسة التكنولوجية ببغداد سنة 1975. هاجر من وطنه العراق مضطراً، بعد مطاردته من نظام البعث، سنة 1982، واستغرقت رحلته المضنية شهراً كاملاً. وأقام بدمشق سنوات طويلة، حتى غادرها إلى منفاه الاضطراري الأخير استراليا. وكان مثابراً في دار مهجره على: المطالعة، وكتابة الشعر والمقالات، والمشاركة في الفعاليات الثقافية والأدبية، وتعلّم اللغات: الفرنسية والروسية والفارسية، مضافاً إلى الانجليزية.

 

منذ التقيت صباحَ الأنصاري للمرة الأولى، قبل أكثر من أربعين عاماً في أربيل ١٩٧٦ وحتى وفاته، بهرني ضميرُه الأخلاقي الصارم، وألقُه الروحي الموحي، وخبرتُه الثقافية المستقاة من خارج سياق أدبياتنا في الحركة الاسلامية. لم يكن أحدٌ من أصدقائي الإسلاميين وقتئذ يقرأ النصوص المسرحية العظيمة لشكسبير والأعمال الرائدة في المسرح العالمي، لكن صباح كان مدمناً على مطالعة كلّ ما صدر ويصدر في السلسلة الشهيرة "من المسرح العالمي"، التي كانت تصدر كل اسبوعين بانتظام عن وزارة الاعلام الكويتية. قال لي: " كنت أقرأ كل يوم واحدة من أعداد هذه السلسلة المسرحية المهمة، بموازة مطالعاتي الأخرى".

 

بعد تخرجي في العام الدراسي 1975 ساقوني للجيش، وكانت مدةُ خدمة الخريجين سنةً ونصف، أمضيت أشهر التدريب في "مدرسة قتال الفرقة المدرعة الثالثة" في الحبانية، وتأخر نقلي بمعية مجموعة لا تتجاوز عشرةَ أشخاص من زملائي، من مجموع 220 خريجاً من دورتي، لأن الاستخبارات العسكرية أبرقت بتحفظ أمني على هذه المجموعة، وضرورة توزيعهم إلى وحدات عسكرية غير مسلحة، لأن بعضَنا كان اسلامياً، والآخرَ شيوعياً. فنقلوني وبعضَ الزملاء بعد عدة أشهر إلى "سرية أشغال فرقة المشاة الثامنة" في أربيل. هناك التقيتُ صباح مرزة الأنصاري، الذي تعرّض للنفي مثلي لوحدة عسكرية كانت منفى المعارضين لنظام البعث. أول الأيام لفتتني مواظبتُه على الصلاة في أوقاتها، مهما كانت الظروف، والتزامُه بتلاوة آيات من القرآن، وقراءة دعاء من الأدعية المنسوبة للامام زين العابدين "ع" في الصحيفة السجادية، مع كل فرائض الصلوات التي يؤديها. وهو طقس تصعب المواظبةُ عليه في الجيش العراقي.

 

كان صباح الأنصاري صامتاً، لا يتحدث عن نفسه، ولا يفصح عن شيء من مواهبه وخبراته وتجاربه، ولا يذكر غيرَه بسوء. أقبلتُ بتلهف عليه بعد أيام قليلة من تعارفنا، عساني أكتشف ما يختبئ من ثقافته، وأتعلم شيئاً من حكمتِه في الصمت، والتغافلِ وعدمِ الإصغاء للوشايات والهذيانات المتفشية لدى كثيرين. كان ضنيناً بما لديه، وكأنه مستودعٌ جواهر نفيسة، لا يبوح بما يكتنزه إلا للخواص.كان شجاعاً لا يكترث كثيراً بما تفرضه عليه التقاليدُ الاجتماعية من علاقات عشوائية، ولا يخاف الأعرافَ الفوضوية التي تنتهك الخصوصيةَ الشخصية بعناوين رثة، وتهشّم الأسوارَ الخاصة لاستقلالية الكائن البشري. تعلمت منه حماية الحياة الفردية، وتكريس الضمير الأخلاقي، وهي حالة كنتُ بأمسّ الحاجة لها، لأن تقاليدَ القرية التي ولدتُ فيها، وأعرافَ القبيلة التي  أنحدر منها لم تسمح بنموّ وتطوّر الفردية في شخصيتي، إثر الخوف المزمن من عبور هذه الأعراف، وتبريرها الخضوع لها بعنوان يشي بمضمون أخلاقي تسميه تقاليدنا "عيب"، رغم انا نظلّ نكتوي بمراراتِ انتهاك الخصوصية، وفقدان الحياة الخاصة، والعجزِ عن امتلاك الحرية الشخصية.

 

لم تتوطد صلتي بصباح الأنصاري بسهولة، خلافاً لما انتظمتْ فيه الكثيرُ من علاقاتي الاجتماعية قبل التعرّف عليه، أنا الرجل الموصوف بغزارة علاقاتي وتنوعها، وعشوائيتها في الماضي، لأن صباحَ أولُ شخص أجده يمتلك ذاتَه، ويعرف جيداً ألّا قيمةَ لأيّ شيء يمتلكه الانسان خارج الذات إن كان لا يجدها، فإنه حتى لو ربح العالم كلّه لن يمتلك شيئاً ذا قيمة حقيقية لو افتقد ذاتَه.كنت أندهش أحياناً من صلابة شخصيته وشجاعته، وعدم مجاملته للأشخاص الذين يريدون أن يقتحموا عليه عالمه الخاص، فقد ظلّ يمتلك قراراتِ بناء صداقاته وإدارة علاقاته كما يريد لا كما يريد غيره، ولا تفرض عليه علاقاتٌ فائضةٌ لا جدوى منها، ولا أثر يثري حياة الانسان بمعنى فيها، كما كنتُ أنا عليه من انغماس في ثقافة "العيب"، التي ضاع معها الكثيرُ من عمري وجهدي ومالي على صعاليك متطفلين، يجيدون تمثيلَ دورَ الضحية في الحياة، وطالما سلبوني أمني النفسي مع كل ما قدمته لهم مجاناً.

 

كان صباح صادقاً في سلوكه، لم أجد له سلوكاً أو موقفاً تكذب فيه أفعالُه أقوالَه. ومضى على ما عرفتُه عليه كلّ حياته. كان عصياً على التنميط والتماهي مع بشر لا يشبهونه. وذلك ما جعل صداقاتِه نوعية، يقتصر فيها على من ينتقيهم ممن حوله، ويراقب سلوكَهم، ليختبر مصداقية شخصياتهم.

 

قلما وجدتُ شخصيات أصيلة كهذا الشاعر الجميل، الذي لم أرَه في موقف تملّق أو تزلّف أو مداهنة أو رياء أو كذب أو نفاق أو ازدواجية، مثلما رأيتُ بعضَ الشعراء من مجايليه. أجهض أيّةَ محاولة لتركيعه من بعض رفاق الدرب، وظل مناهضاً لكلّ محاولات استعباد وتسلّط الغير. باءتْ بالفشل كلُّ جهود ترويضه على العبودية والانقياد، لأن وفاءه لحريته كان أكبر من إغواء كل مغنم مقابل التنازل عنها، إذ كان يعرف جيداً أن ثمنَ الحرية باهضٌ، ثمنٌ لا ينجزه إلا الزهد بالمال والسلطة، وهكذا كان كائناً حراً بالفطرة. فقد كان يهمس لي بآلامه، وهو في منفاه الاسترالي عبر الهاتف، ويحكي لي في زياراته الشحيحة للعراق، فيبثّ شيئاً من لوعته المليئة بالأسى لما آلَ اليه مصيرُ بعض السياسيين من رفاق دربه، ولما انتهى اليه حالُهم في التهافت على السلطة والمال، رغم انهم جميعاً في خريف العمر. 

 

ربما لا يعرف كثيرون أن صباحَ الأنصاري من أوائل المعتقَلين من كوادر حزب الدعوة، كانت ليلةُ اعتقاله موجعةً، إذ اقتادتْه الاستخباراتُ العسكرية أمامنا مصفداً بالأغلال، قبل أكثر من أربعين عاماً، من المعسكر في أربيل. ولبث في الأمن السياسي في العمارة مدة ليست قليلة، تعرض فيها لتعذيب عنيف، من دون أن يدلي بمعلومات تؤذيه أو تؤذي رفاقَه في التنظيم، فاضطرّ الأمنُ أخيراً للإفراج عنه اثر صموده. وعندما عاد الينا لم أرَ عليه أيَّ انكسار أو خوف أو تردّد، وكأنه كان في إجازة اعتيادية. واصل ممارسةَ حياته كما كان من قبل، ولم يتفوّه بكلمة واحدة يومذاك عن سجنه في زنزانات البعث وتعذيبه، ولولا مشاهدتي للحظة اعتقاله وما حدّثني به لاحقاً، لم أكن أعرف شيئاً عن ذلك.

 

مصطفى المهاجر شاعر غزير العواطف، رقيق المشاعر، دافئ الطبع، يطيل النظرَ والتأملَ فيما حولَه من أشخاص وأشياء، وإن كان صامتاً لكنه يغوص في منولوغ باطني عميق. ظل متيماً بكلّ ما يرمز لوطنه العراق، وروحه تنزف بكل جراح العراق. لم تخرج نصوصُه عن لوعةِ الغياب عن الوطن ومواجعِ المنفى. منبعُ إلهامه ذاكرةُ الوطن، أصدر ديوانَه الأول: "غائبٌ كالوطن حاضرٌ كالبكاء"، فكان موشى بكلّ ما يضج به المنفى من أسى، وما يكتبه الغيابُ عن الوطن من لوعة، وكتب كل أعماله اللاحقة بجراح الوطن، ووحشة المنفى الذي أكل روحه فكتب بكائيات منفاه في ديوانيه "وحدي"، و"وجع الأسئلة الليلية".

 

 مكث مصطفى المهاجر في منفاه يشدو ألحانَ الوطن من دون أن يكترث به الوطنُ، ويناجي الوطنَ من دون أن يصغي إليه الوطنُ، ويبكي الوطنَ من دون أن يشفق عليه الوطنُ، ويكتب للوطنِ لكن الوطنَ يمحو كلَّ ما يكتب... " إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ".    

 

 بغداد 8-11-2017

 

المصدر: