الأنا والآخر

تاريخ النشر : 2017-11-11 00:00:00 أخر تحديث : 2017-11-22 16:30:13

الأنا والآخر

صورة الآخر هي ليست الآخر. صورة الآخر بناء في المخيال وفي الخطاب". لذلك فمفهوم"الآخر" هو من إختراع الذات، لا بمعنى إنكار وجوده الواقعي، وإنما وجوده هو وجود تصوري "من وحي المُخيَلة "مُخيَلة الأنا".

 

من النادر القليل أن ترى الذات في الآخر خيارها الإيجابي في الوجود وفي التكامل المعرفي، وأغلب الأمم تُعاني من تضخم النظرة للذات "القومية" أو "الوطنية" أو "الدينية" وتحصيل الحاصل"الطائفية"، وكلما إزدادت الذات تضخماً، إزداد حضور الآخر (المُغّيب) في الغالب حضوره المُعارض، إن كان هذا الآخر مُغايراً للذات في المعتقد الأيديولوجي أو الديني أو الطائفي، ويكون الحضور إيجابياً في حال كان هذا الآخر متماهياً مع مقولات الأنا "المتضخمة أو مُدرك لسيكالوجيتها المرضية القائمة على النظر للذات بوصفها أكثر نقاءً في الأصل "الوجود" وفي "المعرفة" وإدراكها للـ "اليقين".

 

هذا الوعي المتضخم للذات هو الذي أنتج ما يُسمى "الهويات الفرعية" التي تأتي كرد فعل للممارسة الإقصائية للذات الشمولية التي تدعي أو يتبنى دُعاتها أنهم من الذين إصطفتهم الإرادة الإلهية، أو إقتضت وجودهم الحتمية التاريخية ليكونوا "المخلصين" أو مُلًاك الحقيقة ورُبَانيي "سفينة النجاة"، وأصحاب "الفرقة الناجية" بالمفهوم الإسلامي.

 

وقد وظف كثير من أحزاب الأحزاب العلمانية هذه الفكرة، ومنهم حزب البعث الذي إدعى منظروه أنه "الحزب القائد" وأن صدام حسين هو الحاكم الفليسوف أو الفيلسوف الحاكم و "القائد الضرورة" الذي أنجبه التاريخ كي يكون "المخلص" للعراق والأمة العربية من هيمنة الإستعمار والتبعية للغرب!!.

 

إن هذا الشكل من التفكير المولَد للهويات الفرعية، يجعل منها هوية ُمُباينة للهوية الإقصائية لكل أنظمة الحكم الشمولية، فبدل من أن تبني هذه الأنظمة ذات الطابع الشمولي في الحكم وطناً ذو بُعد قومي، غيبت الهوية الوطنية وكرهنا إمتدادها القومي، فصرنا نبحث عن مماثلات للهويتنا الفرعية خارج حدود الوطن كي نحتمي بها، ولربما نكون سدها المنيع في وجه كل من لا يرتضي لرؤيتها الأيديولوجية وجوداً، فصار الشيعي في زمن صدام مواطناً من الدرجة الثالثة، فالتكارتة وأبناء العوجة من الدرجة الأولى، ثم أبناء الغربية عموماً من الدرجة الثانية، ثم الشيعي من الدرجة الثالثة، وربما يكون الكوردي في الدرجة الرابعة وفي الدرك الأسفل في سُلم أولويات السلطة "القومجية". وباقي الديانات والوقوميات من مسيحيين وتركمان وأيزيديين وصابئة وشبك، هم منسيون على قاعدة المثل الشعبي "إلَهم الله"، وإن كان فيهم بعض الشخصيات مؤثرة، فليس لأنها لها القُدَرة على أن تُعلن ولائها القومي أو الديني أو الطائفي، بل لأنها لا ولاء لها إلَا للـ "الحزب القئد" و للـ "القائد الضرورة".

 

إن وعي الهوية في المتضخم يؤدي بالضرورة إلى إعلان الهويات الفرعية كما ذكرنا عن وجودها، وكلما إزدادت "الذات المُهيمنة" تعالياً، إزدادت الهويات الفرعية عناداً في إعلانها عن وجودها في الرفض والممانعة. وستزداد "الهويات الفرعية" تماسكاً كلما إزدادت "الذات الشمولية" الحاكمة توهماً بأنها تمتلك آليات "الخلاص" بوصفها المالكة للحق والوصية على تطبيقه، لتبحث "الهوية الفرعية" عن تشاكل هوياتي لها خارج نطاق الحكومة المالكة لزمام السلطة، ولربما خارج الحدود الجغرافية للوطن.

 

إن خطاب الأنا او الذات "المُتضخمة" ينتج بالضرورة خطاباً مُغايراً، يجعل "الآخر" ضداً نوعياً يُهدد وجود الأنا، كما هو حاصل اليوم في في خطاب القوميويين والإسلاميين، و "المتفرنجين"، بعبارة الوردي.

 

الآخر بوصفه مكمل للذات:

 

هناك من يرى أن صورة الذات لا تكتمل إلا بوجود الضد "الآخر"، سلباً أو إيجاباً، ففي نفي الذات بترٌ لوجود الآخر وحضوره في الإقصاء أو في التفاعل، ففي الحضور نجد ريكور يؤكد أن لا إكتمال لوجود الذات من دون وجود الآخر، فـ "الذات عينها كآخر"، ومع ديكارت نجد أن وجود الذات كذات مُفكرة هو الوجود الحقيقي الذي نستطيع فهم وجود الوجود "الآخر" من خلالها، بينما نجد تشارلس ساندرس بيرس يرى أن هذا الشك الديكارتي الذي سُمَسض بأنه "شك منهجي" ليس سوى شك مُفتعل، لأن وجودنا الحقيقي يُدَرك عبر الموجودات وإدراكنا المخبري والتجريبي لها، فهناك كثير من الكائنات الحية مثل الحيونات" موجودة، تأكل وتتنفس، والشك بوجودها لا يُمكن أن يكون شكاً منهجياً، إنما هو شك مُصطنع لأنها كائنات لها وجودها الواقعي، لأنها تعيش فيما بيننا، وإدعاء الشك في وجودها في واقعنا بين ظهرامنينا إنما هو مُعاندة شكية لا منهجية، لأنها خارج مُقتضيات التجربة الحسية.

 

الإستشراق وخطاب المركزية:

 

في الإستشراق خطابات في تنمية الوعي المعرفي بتراثنا ما يفوق سعينا لمعرفة ذاتنا المُتشضية عبر مراحل التاريخ، ولكن في الإستشراق وجه آخر متضامن مع السعي الكولينالي للهيمنة على بلدان الشرق الأوسط والعلالم الإسلامي و "التمركز (الغربي) حول الذات" بعبارة عبدالله إيراهيم، بل وحتى " التمركز (العربي) حول الذات"، فبقيت الذات أسيرة مقولة "المطابقة والإختلاف" أيضاً بعبارة عبدالله إبراهيم، ففكر المطابقة يسعى إلى الإنغماس في التراث والغوص فيه والهيام في سحر مقولاته، وجماعة الإختلاف، يسعون للمُغايرة ونسف مقولات التراث وتوهمات أصحابه، وجماعة "المطابقة" مسخٌ لا هوية لهم.

 

قيل في المثل العربي "أن الناس أعداء ما جهلوا"، ولكنني أرى أن معرفة الآخر أحد أسباب رفضه، وجهل الآخر سبب أكبر للرفض، فمعرفة الآخر تعني الغوص أكثر في أنماط تحولاته المعرفية وجذور مُتبنياته الأيديولوجية التي ـ ربما ـ فيها إختلاف في التبني، فعند الآخرـ عادةـ ما يكون أساس التبني عنده قائم على الإستنباط والمعرفة البرهانية، فيما يكون نمط المعرفة عندنا قائم على الوجدان والمعرفة الباطنية، وربما يكون هذا الفارق المعرفي أحد أسباب الرفض لا القبول للآخر، لمعرفتنا بإختلافنا وإفتراقنا في الرؤية و المنهج، أما في جهلنا للآخر ففيه قصد واضح وإمعانٌ في الرفض، فليس من ثقافتنا قبول المُعارض وليس منا من كان مُخالفاُ لنا في الرأي والمُعتقد.

المصدر: