اليعقوبي بين تحريم "الموطا" وتزويج ذات التسع سنوات! (1-2)

تاريخ النشر : 2017-11-13 00:00:00 أخر تحديث : 2017-11-19 20:40:26

اليعقوبي بين تحريم الموطا وتزويج ذات التسع سنوات! (1-2)

بتاريخ 19 حزيران 2017 (كما تقول المعلومة المنشورة مع الفيديو) أجرت قناة "الحرة عراق" الأميركية، لقاء مطولا مع المرشد الديني لحزب الفضيلة الإسلامي محمد اليعقوبي، جرى فيه التطرق للعديد من الأمور والقضايا الفقهية والسياسية والاجتماعية المهمة. ونظرا لأهمية هذا اللقاء والمعلومات المفيدة والموثقة بالصوت والصورة، أعيد نشر تسجيل الفيديو الخاص به. وزيادة في الفائدة حررت عددا من النقاط التي بدت لي أكثر أهمية من غيرها، والتي تناولها الحوار بشكل شبه حرفي.

 

ولكي نضع كلام الشيخ في سياقه الصحيح أسجل أن هذا اللقاء كان يدور حول جملة أمور منها مشروع قانون الأحوال الشخصية الجعفري، الذي سحب من التداول البرلماني والإعلامي، والذي قيل إنَّ الشيخ اليعقوبي ووزير العدل السابق عن حزبه، حزب الفضيلة، حسن الشمري كانا وراءه ولكنه أهمل لاحقا ولم يجري تقديمه للتصويت، ولا يتعلق -الحوار-بمشروع قانون التعديلات الجديد الذي قدمته كتلة حزب الحكيم. غير أنَّ كلا المشروعين يستندان الى الأساس الرجعي التحريمي ذاته. ولكنني أعتقد أن مشروع قانون الحكيم أخطر بكثير من قانون الفضيلة واليعقوبي لأسباب ستتضح من خلال كلام الشيخ وسأتوقف عندها حين سأعقب على عدد آراء وردود الشيخ وباختصار. ولتسهيل مهمة القارئ وإبعاد شبح الملل من النصوص المطولة سأنشر جزءاً واحدا من هذه الآراء المحررة من الفيديو وتعليقاتي عليها وانشر الأجزاء الأخرى في منشورات لاحقة:

 

1- الدقيقة 12.10 : الشيخ اليعقوبي: في الوضع الحالي في العراق هناك فوضى وانفلات ولا يوجد قانون وضوابط وكل أصحاب دين يبشرون كما يشاءون ولا توجد الحالة التي تتكلم عنها ( المذيع طرح سؤالا حول المحرم الديني الذي يجعل دين يعلو على دين آخر فلماذا يحق للمسيحي ما يحق للمسلم).

 

المذيع: ولكن هناك فتاوى للمرجع الخوئي تمنع غير المسلمين من التبشير بدينهم، أو حتى تمنعهم من أن ينقلوا دينهم الى أبنائهم... فما رأيك بذلك؟

 

اليعقوبي: وهل كانت للمرجع الخوئي سلطة ليمنع ذلك؟ وهل مارس هذه السلطة؟ هذا كلام نظري يقال في الأروقة العلمية.

 

*تعليقي: خلاصة رد الشيخ هي أنه أولا، يبدي امتعاضه الواضح من حالة حرية التعبير في العراق على علاتها، ويعتقد انها أصبحت فوضى. وهو - ثانيا - يحتج بأن المرجع الديني الذي لا سلطة له فعلية لتطبيق فتواه لا يحاسب على فتواه، ويعتقد أن هذا القول يمثل حجة لرد الاعتراض عليها. إنها للأسف حجة متهافتة. فماذا لو كان لهذا المرجع سلطة فعلية فهل يجوز لها تطبيق فتواه الحاطَّة من شأن دين وإعلاء شأن دين آخر؟ ثم هل يجوز -استنباطا من هذا الرد- أن يفتي ويبشر أي رجل دين ليس لديه سلطة فعليه بتكفير الآخرين ويدعو لذبحهم وتطبيق حكم المرتد الذي يأخذ به بعض المتشددين بحقهم لأنه لا يملك الآن السلطة الفعلية للقيام بذبحهم؟

 

2-الدقيقة 32.40: المذيع: قرأت في كتاب لحضرتك منشور على موقعك وفيه مجموعة من الفتاوى، وأنا صراحة لم أتأكد من أن الكتاب منسوب لحضرتك وهذا الكتاب يؤشر الى ظواهر اجتماعية منحرفة ولكن في هذا الكتاب فتاوى ثقيلة على الذوق العام منها مثلا تحريم أكل الموطا (نوع من الآيس كريم على شكل مستطيل أو أنبوب) من قبل النساء.

 

الشيخ اليعقوبي: هذا عبارة عن كتيبات صدرت قبل السقوط أيام نظام صدام البائد، وكان هذا يومئذ امتدادا لحركة الشهيد السيد الصدر"محمد محمد الصادق" الذي كان يعتمد أسلوب ما يسمى الصعقة، الإثارة؟ لشد الجماهير، وهذه الكتب أو الكتيبات كتبت لإحداث حراك لدى المجتمع.

 

*تعقيبي: هذا الرد تبريري أكثر مما هو عقلاني، فالاستناد الى حجة من قبيل "تحقيق الصعقة للجماهير" لا يبيح عقلاً ومنطقاً إصدار فتاوى تحريمية وتكفيرية لأن الهدف منها في هذه الحالة سيكون ذاتيا وسياسيا ودينيا، أي أن هذا التبرير يعبر عن وجهة نظر صاحب الفتيا فقط، وليس من وجهة نظر القانون والدولة وعموم الناس التي قد تأخذ بها كفتوى صالحة لزمن قد يطول بدليل أنها ماتزال منشورة على موقع الشيخ اليعقوبي نفسه حتى اليوم. ثم من أعطى الحق بممارسة هذا النوع من "صعق الجماهير" بهذه الطريقة إذا صح هذا التفسير لليعقوبي؟ يتبع في الجزء الثاني حول مشروع قانون الأحوال الجعفري.

 

3-الدقيقة 35.05: (بخصوص قانون الأحوال الشخصية الجعفري) المذيع: أنتم كمؤسسة هل تريدون توصيله الى التشريع رغم كل الظروف؟

 

الشيخ اليعقوبي: أبدا، هو من عنوانه "أحوال شخصية" يعني كل شخص يريد ان ينظم أحواله وشؤونه بما يعتقد بأنه هو الصحيح. هذا ليس قانون عقوبات ولا قانون جزاءات. والمسيحيون لهم قانون أحوال خاص بهم ولهم محكمة. ونحن الشيعة من الأول في أحوالنا الشخصية نرجع الى أحكامنا الدينية في الزواج في الطلاق في الميراث. يعني أنا هذا مالي الخاص وأريد أن أورثه كما اعتقد فلماذا يجبرني القانون على طريقة للتوريث لا أعتقد بها.

*تعليقي: قانون الأحوال الشخصية النافذ 188 ليس قانونا علمانيا ولا وضعيا كالقوانين النافذة في دول الغرب كما يكرر الشيخ اليعقوبي وعموم رجال الدين الإسلاميين الشيعة والسنة. هذا القانون، و في ما يخص أمور الزواج والطلاق والميراث، مستمد من أفضل ما موجود في المذاهب الإسلامية. هو ليس قانونا علمانيا، بل هو قانون واقع حال، وتوفيقي، ويعكس سمات مرحلة اجتماعية وسياسية انتقالية يمر بها العراق منذ عقود، ويحاول تقديم صيغة قانونية متطورة وتوفيقية للأحوال الشخصية لعموم العراقيين، صيغة مستمدة في الكثير من موادها من أحكام الدين الإسلامي الأكثر قربا من روح العصر غالبا وليس دائما.

 

وهناك في بعض مواده سمات دينية وسلفية وتحريمية ولا علاقة لها بالعلمانية والوضعية، فالمادة رقم 13 منه مثلا تمنع وتحرم الزواج "لعدم الدين السماوي"، ويفهم منها أن العراقي لا يمكنه الزواج بغير الكتابية كالهندوسية والبوذية وهو لا يصح بخصوص المرأة العراقية مع غير الكتابي كما يفهم. أما المادة 17 من القانون 188 النافذ فتسمح للعراقي المسلم بالزواج من غير المسلمة الكتابية، ولكنها لا تسمع للعراقية المسلمة بالزواج من الكتابي كالمسيحي وهذه الحالة المحرمة في القانون العراقي أباحتها قوانين الحوال الشخصية في عدد من الدول العربية كتونس ونادي بإباحتها في السودان مفكر وسياسي إسلامي عرف بتشدده هو د. حسن الترابي. كما أن القانون 188 فقد الكثير من إيجابياته ومواصفات المساواة فيه على أيدي الانقلابيين الرجعيين وبتحريض من أوساط دينية معروفة آنذاك فبعد أن ساوى القانون في الميراث بين الرجل والمرأة بعد ثورة 14 تموز 1958 قام الانقلابيون بعد انقلاب 8 شباط 1963 بإصدار القرار رقم 11 وجعلوا الميراث كما كان في العهد الملكي الهاشمي للمرأة نصف ما للرجل. في هذا الصدد وفي دراسته المهمة " قانون الأحوال الشخصية العراقي بين المقتضى والمبتغى والبديل" وعلى ص 208 يكتب الباحث حيدر حسين الشمري (إن قانون 188 مخالفته لأحكام الشريعة في المواريث حيث استبدل احكام الانتقال في الأراضي الأميرية الواردة في القانون المدني في محلها مما جعل الأنثى تساوي الذكر في الميراث الأمر الذي دفع انقلابيي 8 شباط 1963 إلى إصدار القانون 11 لسنة 1963 الذي أرجع أحكام الميراث الى الشريعة وجعل حظ الذكر مثل حظ الانثيين...).

 

وحين يقول الشيخ اليعقوبي (المسيحيون لهم قانون أحوال خاص بهم ولهم محكمة) فهذا صحيح ولكن اليعقوبي ينسى أو يتنسى حقيقة أن قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين والذي طرحت مسودته سنة 2008 لم يطرح على البرلمان ولم يسعَ واضعوه لأن يكون بديلا لقانون الأحوال الشخصية العراقي رقم 188، ولم يطالبوا بأن يعدل هذا القانون من داخله ليكون مجاريا للدين المسيحي أو لمذهب إحدى طوائفه بل هو قانون داخلي يخص الكنائس المسيحية العراقية بمختلف أنواعها. وفي هذا القانون هناك ما يتفق مع القانون العراقي العام كسن الزواج وهو 18 سنة (مع وجود استثناءات خاصة لمن هم دون هذا العمر تكون بيد الكاهن وتكون 16 للذكر و14 للأنثى)، وهناك ما يختص بعقائد المسيحيين كطقوس إكليل الزواج الكنسي وتحريم الزواج من ذوي الدين الآخر أو بأكثر من واحدة...الخ، وكل هذا خارج قانون الأحوال الشخصية العراقي.

 

ومن الطبيعي أن قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين العراقيين هو قانون داخلي خاص بهم في كنائسهم، ولا شأن للدولة به إلا في حال ترتبت عليه مترتبات خاصة تضر بالمواطن أو المواطنة أو تجعله خارج القانون ومتعارضا معه. ويبقى المطموح إليه أن يتم تطوير القانون 188 باتجاه يراعي تطورات العالم والحياة والمجتمع العراقي وأن يكون الزواج الرسمي في البلدية أو المحكمة الممثلة للدولة هو المعول عليه والمعترف به، ويمكن لمن أراد أن يعقد زواجه وفق طقوسه الدينية وعقيدته المذهبية ان يفعل ذلك كجزء من حريات الناس الشخصية. أختصر وأقول لو أن مسودة قانون الحوال الشخصية المسيحي قدم غدا إلى البرلمان لإقراره فسيكون موقف الوطنين -كما أرجح- منه كموقفهم من تعديلات الحكيم اليوم أو القانون الجعفري بالأمس! يتبع

 

*كاتب عراقي

 

*رابط تسجيل فيديو اللقاء مع الشيخ محمد اليعقوبي على قناة الحرة الأميركية في خانة أول تعليق:

 

*رابط تسجيل فيديو اللقاء مع الشيخ محمد اليعقوبي على قناة الحرة الأميركية:

 

https://www.youtube.com/watch?v=k-L1cSN7aK8&feature=youtu.be

 

 

*رابط دراسة بعنون " قانون الأحوال الشخصية العراقي بين المقتضى والمبتغى والبديل" بقلم: حيدر حسين الشمري

 https://www.iasj.net/iasj?func=fulltext&aId=29571

 

المصدر: