سرقات محمود درويش

تاريخ النشر : 2017-11-22 00:00:00 أخر تحديث : 2017-12-11 03:04:12

سرقات محمود درويش

كان محمود درويش من أكثر الشعراء العرب استخداماً للتناص في شعره، بل ربما هو أكثرهم في ذلك. فالتناص، بأشكاله وصيغه المختلفة، كان إحدى تقنياته الرئيسية في بناء قصائده، حتى لا تكاد تخلو منه أية قصيدة، وخاصة في مراحل شعره المتأخرة. ومصادر تناصات درويش كثيرة ومتنوعة: تاريخية ، ودينية ، وأسطورية ، وأدبية ، وفكرية ، وثقافية شعبية ، وغيرها ، وهي مصادر قديمة وحديثة، عربية وأجنبية، وهذا مما أكسب شعره غنى ثقافياً ومعرفياً وفتحه على آفاق دلالية رحبة .

 

والتناص النصي أحد أشكال التناص التي يستخدمها درويش في شعره ، وهو يستخدمه بكثرة واضحة ، فيقتبس عبارات ومقولات ، وأبياتاً شعرية، أو أجزاء من أبيات ، وأمثلة ، وحكماً ، وعناوين كتب وقصائد ، وغير ذلك ، ويدمجها بقصائده . وربما كان الشاعر عبد الوهاب البياتي معلمه الأول في هذا المجال ، فقد كان أول من أثر في شعره من الشعراء المحدثين .

 

وليس درويش وحده من استخدم هذا الشكل من التناص ، فقد استخدمه كل الشعراء ، ولكن الفرق بينه وبين الآخرين أنه أكثر من استخدامه حتى ظهر من يتهمه بالسرقة . أما متهموه فهم ، في الغالب ، شعراء فلسطينيون من جيل تلا جيله . وقد نشأ جدل طويل حول ذلك . وذُكِرت في هذا الجدل أسماء الشعراء : سالم النبريص ، وموسى حوامدة ، ومحمود حامد ، ومحمد ضمرة ، وعلي فودة ، ومحمد القيسي . فأفاد النبريص في شهادة له بأن درويش أخذ منه عبارتين ، وقال موسى حوامدة في أكثر من مقال إنه سرق من إحدى قصائده مقطعين ، وصرح محمود حامد لوكالة أنباء الشعر، أنه أخذ منه عنواني قصيدتين من قصائده ، وذكر حوامدة عبارتين قال عن إحداهما إن درويش أخذها من علي فودة وقال عن الأخرى إنه أخذها من محمد ضمرة ، ثم ذكر عنوان ديوان لمحمد القيسي قال إن درويش أخذه في مطلع قصيدة من قصائده .

 

ويلاحظ أن هذه الاتهامات وجهت إلى درويش تحت شعار : مراجعة شعره ونقده ، فمتهموه يقولون: إن درويش ليس صنماً مقدساً بل شاعر كسائر الشعراء ، يمكن أن يدرس شعره ويراجع وينقد وتكشف عيوبه . ومع أن مبدأ المراجعة جد صحيح من حيث المبدأ ، وأنا متفق معهم فيه تمام الاتفاق ، ولي آرائي الخاصة في شعر درويش ، ولكن اللافت للنظر أن اتهامه بالسرقة لا يحدث ضمن نطاق مراجعة نقدية فنية وموضوعية شاملة لشعره ، بل يحدث ضمن إطار حملة ذات طابع تشهيري تبدو ذاتية الدوافع أحياناً . وهذه الحملة تخبو مرة وتستعر مرة أخرى ، ويصرح أصحابها بأن درويش كان يأخذ من الشعراء العرب والأجانب أيضاً ، وليس من الشعراء الفلسطينيين فقط ، مع أنهم يعترفون بأنه شاعر كبير وصانع ماهر.

 

ولست أريد هنا ، في أية حال ، أن أدخل دهاليز هذه الحملة وأبحث عن خلفياتها وأخوض في مياهها العكرة فأكون طرفاً من أطرافها ، ولا أن أدخل في مزايدة أو مناقصة مع أحد في تقدير مكانة درويش الشعرية ، بل أريد فقط أن أناقش موضوعاً أدبياً خالصاً هو : اتهام هذا الشاعر بسرقة نصوص من آخرين وضمها إلى شعره دون أن يشير إلى مصادرها . فأنا أرى أن درويش لم يتجاوز حدود مفهوم التناص في كل ما اقتبسه من غيره وضمه إلى شعره ، وأن الذين يوجهون إليه هذا الاتهام هم مخطئون ، في أفضل الأحوال ، وإلا فهم مغرضون . وأحب أن أوضح ، قبل الدخول في هذا النقاش ، أن قناعتي ببراءة درويش من هذا الاتهام ليست صادرة عن علاقة ربطت بيني وبينه ، أو عن إعجاب خاص بشعره ، أو عن توافق فكري أو سياسي معه ، أو عن عاطفة إنسانية شخصية حملتها له عن بعد ، بل هي صادرة فقط عن رغبة في تكريس القيم والمعايير النقدية الصحيحة في حياتنا الثقافية ، ولا شيء سواها .

 

ويبدو لي ، بعدَ نظر وتدبّر ، أن الذين يتهمون درويش بالسرقة من شعر الآخرين لا يميزون تمييزاً دقيقاً بين ( التناص ) و ( السرقة ) في ما يكتبونه عنه ، عامدين كانوا أم غير عامدين . فهم يعدون كل اقتباس أو تضمين ( سرقة ) وحجتهم في ذلك أن درويش لا يشير إلى المصادر التي يقتبس منها . وهذه حجة مردودة لأن الشاعر ، أي شاعر ، عربياً كان أم أجنبياً ، غير ملزم بالإشارة إلى هذه المصادر ، سواء أكانت معروفة على نطاق واسع ، كالقرآن الكريم والتوراة والشعر القديم ، أم كانت غير معروفة إلا لدى المختصين ، والأمثلة على ذلك كثيرة في الشعر العربي والشعر العالمي .

 

أعرف أن الشاعر الإنكليزي تي أس إليوت قد فعلها فأثقل بعض قصائده بالهوامش ، ولكن ما التزم به هذا الشاعر لم يكن ملزماً لغيره . والكشف عن المصادر التي يقتبس منها الشاعر هو من مسؤوليات النقد أولاً ، والنقد هو الذي يفرز بين ( التناص ) و ( السرقة ) وليس الإدعاءات الشخصية .

 

ويلاحظ في ما يكتبه متهمو درويش أنهم يتجاهلون تماماً مسألة أساسية عند توجيه اتهامهم إليه هي : كيفية تصرفه بما يقتبسه من غيره ، أعني كيفية توظيفه إياه في قصائده ، فنياً ودلالياً ، ومدى نجاحه أو إخفاقه في هذا التوظيف . فهم يتحدثون بلغة تعميمية تضلل جمهور القراء فيقول قائلهم ( إن في خبزه الكثير من قمح الآخرين ) دون أن يحددوا كمية هذا القمح ووزنه النوعي في خبزه ، وهم يسرفون في أحاديثهم كما لو أن حياته الشعرية ومكانته كانتا تتوقفان على ما أخذه من هذا أو ذاك ، وأنه ما كان ليكون شاعراً كبيراً بدونه . وهذا ما يتضح من سلسلة مقالات أسبوعية كتبها تباعاً الشاعر موسى حوامدة في الملحق الثقافي لجريدة الدستور الأردنية . وسأتخذ هنا من هذه المقالات أساساً لمناقشة الموضوع.

 

في إحدى هذه المقالات اتهم حوامدة درويش بالأخذ من التوراة فقال : إن درويش ( نقل مقاطع كاملة من التوراة باعتبارها من تأليفه ، أي من دون إشارة إلى المصدر ، لا من قريب ولا من بعيد ) وجاء بمقاطع وأبيات من ( جدارية محمود درويش ) وقارنها بنصوص من الإصحاح الأول من سفر الجامعة دعماً لرأيه . والواقع أن درويش لم ينقل ( كل ) ما اقتبسه من سفر الجامعة نقلاً حرفياً بل ( القليل ) منه فقط ، فقد تلاعب بما اقتبسه وحرف صياغاته قليلاً أو كثيراً ، وأخضعه للوزن إلا ما تعذر عليه ، وقاطعه بعبارات من عنده ، وجعله في خدمة نصه الشعري ، وقد خدمه من دون ريب . وليس صحيحاً أن درويش لم يشر إلى سفر الجامعة ( لا من قريب ولا من بعيد ) كما قال الشاعر حوامدة ، بل هو أشار إليه مرتين في متن القصيدة : مرة قبل أن يبدأ الاقتباس ومرة في نهايته ، ولذلك مغزاه الواضح .

 

وفي مقالة تالية ذكر الشاعر حوامدة أن درويش أخذ من شعر نيتشه ، الفيلسوف الألماني ، عبارة ( على الأرض ما يستحق الحياة ) وهذا صحيح ، ولكن درويش انحرف باتجاه هذه العبارة واستوحى منها قصيدة مهمة ، وحولها من عبارة طافية في قصيدة ، وضائعة في ديوان منسي لشاعر أجنبي ، إلى ( شعار عربي ) جميل يتردد على الألسنة باعتراف حوامدة نفسه . وهذا ومثل هذا ما ينبغي للتناص أن يحدثه ، وإلا فلن تكون له أية أهمية .

 

وفي مقالة أخرى جاء حوامدة بعدد من عناوين الكتب والقصائد والدواوين وقال إن درويش أخذها من أصحابها ، فذكر مثلاً عنوان رواية الكاتب الياباني جوينشيرو تانيزاكي ( مديح الظل ) وجعله عنواناً لأحدى قصائده، وهذا صحيح أيضاً ، ولكن درويش لم يأخذ العنوان بنصه بل أضاف إليه كلمة أخرى فأصبح (مديح الظل العالي) وهذه الإضافة ليست اعتباطية بل لها مغزاها في قصيدته ، وهو لم يكتب تحت هذا العنوان رواية يقلد فيها رواية هذا الكاتب ، أو يستلهم روحها وفلسفتها ، بل كتب قصيدة طويلة ذات منحى مختلف كلياً عن منحاها ، وروح تختلف عن روحها ، فأعطانا (عملاً درويشياً) بامتياز .

 

وفي المقالة نفسها حاول حوامدة أن يقنعنا بأن درويش اقتبس عنوان قصيدته (جدارية محمود درويش) من مصدرين هما: عنوان قصيدة أدونيس (هذا هو اسمي) وعنوان قصيدة سعدي يوسف (جدارية فائق حسن)، وهذا منتهى التعسف. فإعلان الشاعر عن اسمه في عنوان قصيدته، أو في متنها ، ليس بدعة أدونيسية ، بل سكة مطروقة من قبل الشعراء منذ العصر الجاهلي حتى اليوم ، وبالتالي لا يحتاج درويش أن ينظر في شعر أدونيس حتى يطرق هذه السكة . ثم أن أدونيس أعلن اسمه في متن قصيدته وليس في عنوانها ، وهو لم يعلن اسمه الكامل بل اسمه الأول فقط ، والفرق بين قصيدته وقصيدة درويش بعيد وواضح . أما قصيدة سعدي فقد استلهمت جدارية حقيقية للفنان العراقي الراحل فائق حسن ، وموضوع هذه الجدارية والقصيدة التي استلهمت منها هو موضوع وطني وإنساني (كغورنيكا بيكاسو)، وهو بعيد جداً عن موضوع قصيدة درويش الذاتي الخالص. وبعد هذا ليس من المعقول أن نتهم درويش بأنه فكر بعنواني قصيدتين مختلفتين لشاعرين آخرين لكي يصوغ من كلماتهما عنوان قصيدته !

 

ويعطينا الأستاذ حوامدة مثلاً آخر مما أخذه درويش من غيره هو عنوان كتابه (أثر الفراشة) . ويخبرنا بأن ( أثر الفراشة ) نظرية ابتكرها إدوارد لورينتز عام 1963 . ولكنه لا يقول شيئاً عن هذه النظرية ، ولا يوضح لنا كيف اقتبس اسمها درويش . ونظرية لورينتز هذه نظرية فيزياوية _ فلسفية ، والاسم الذي أطلق عليها هو تعبير مجازي يستخدم لوصف العلاقات والتأثيرات المتبادلة التي تنجم عن ( حدث بدئي ) قد يكون بسيطاً (كخفق جناح الفراشة) ولكنه يولّد سلسلة متتابعة من النتائج والتطورات تفوقه بحجمها وتأثيرها إلى حد كبير ، لتفضي بشكل غير متوقع إلى حدث جسيم يقع في مكان بعيد ، وقد يكون بعيداً جداً ، عن مكان الحدث البدئي . أما درويش فكتب لنا بهذا العنوان ( أثر الفراشة ) قصيدة تأملية هي واحدة من عشرات القصائد والقطع النثرية التأملية التي كتبها ونشرها في دواوينه وكتبه ، ثم جعل عنوانها عنواناً لكتابه . وقد يكون عنوان نظرية لورينتز هذه هو الذي أطلق شرارة قصيدته أو لا يكون ، ولكن شتان بين هذه وتلك في الحالتين . فالقصيدة قصيدة والنظرية العلمية نظرية علمية ، وهما من طبيعتين مختلفتين .

 

ثم يخبرنا الأستاذ حوامدة أن درويش أخذ عنوان فيلم للمخرج اليوناني اليساري كوستا غافراس هو ( حالة حصار ) وجعله عنواناً لديوان له من دواوينه . ولكن علينا أن نسأل : هل ثمة علاقة بين هذا الفيلم وهذا الديوان؟ والجواب لا ، فالفيلم فيلم وديوان الشعر ديوان وكلاهما من طبيعتين مختلفتين ، ولكل من غافراس ودرويش موضوعه الخاص المعبر عن هذا العنوان . هذا إذا افترضنا أن درويش أخذ عنوان ديوانه من غافراس . ولكن ألا يجوز أن يكون درويش قد استلهم عنوان الديوان من طبيعة موضوعه ؟ ثم هل أن تعبير ( حالة حصار ) أصبح حكراً لغافراس، فلا يخطر ، أو لا ينبغي له أن يخطر ، في ذهن أحد غيره ؟ يوم فرضت الدول الاستعمارية الحصار على العراق عام 1990 واستمر هذا الحصار ثلاثة عشر عاماً ، يومها أصبح الحديث عن ( حالة الحصار ) حديثاً يومياً في الصحافة العراقية كما هو الحال في غزة في ما بعد ، أي أن هذا التعبير تعبير شائع متداول ، لا يحتاج إلى عبقرية خاصة حتى يتوصل إليه فلسطيني أو عراقي أو سوري أو أي مواطن عربي .

 

ويذكر حوامدة أن درويش أخذ من الشاعر محمد ضمرة عنوان قصيدته ( أحد عشر كوكباً ) وجعله عنواناً لأحد دواوينه ، مع أننا نعرف جميعاً أن هذه العبارة وردت في سورة يوسف في القرآن الكريم ، وأن ضمرة نفسه اقتبسها من هناك . وينقل حوامدة عن تصريح للشاعر محمود حامد أن درويش أخذ عنواني قصيدتين من قصائده هما : في حضرة الغياب ، وسلام أيها المارون . ولم يعط حوامدة تفاصيل أخرى في ما نقله . أما العنوان الأول فقد اكتشفت أن درويش جعل منه عنواناً لكتاب نثري من كتبه ، أي أنه لم يضمه إلى شعره ، وهذا فرق مهم . وزيادة على ذلك أن مفردتي : الحضور والغياب صارتا تترددان كثيراً في الكتابات العربية الأدبية وغير الأدبية ، بصيغ مختلفة ، منذ أن اطلع المثقفون العرب على فلسفة هايدغر وتفكيكية جاك دريدا ، وليس لأحد أن يدعي أن هذه الصيغة أو تلك من تلك التي ترد فيها هاتان المفردتان أنها له وحكر عليه . أما عن عنوان (سلام أيها المارون) فلم أجد ما يهديني إليه لأرى رأيي فيه .

 

هذا عن العناوين ، أما عن العبارات فيخبرنا حوامدة أن درويش أخذ من الشاعر الراحل محمد القيسي عنوان ديوانه ( راية في الريح ) ثم وضع قبلها الحرف ( لا ) وجعلها في مطلع قصيدة له عنوانها ( لا راية في الريح ) ، ولكن فاته ما أحدثته هذه الـ ( لا ) من نقض للمعنى ومن معارضة وتحويل للاتجاه ، كما ينبغي للتناص أن يفعل في أحد مسوغاته . ثم يخبرنا أن درويش أخذ منه شخصياً وحرفياً ( مقطعين ) من كتابه (تزدادين سماء وبساتين)، فإذا بالمقطعين هما عبارة واحدة هي ( لم يبق منك سواي ، ولم يبق مني سواك)، ولكنه جزأها جزأين وجعل من كل جزء مقطعاً ، كما لو أنه أراد التكثير والتهويل . غير أنني لم أستطع أن أرى كيف تصرف درويش بهذه العبارة ، لأن كتاب حوامدة غير متوفر لدي ، ولأن عليّ أن أعيد قراءة ديوان درويش ( سرير الغريبة ) كله حتى أعثر على نص العبارة لأنظر وأقارن وأرى .

 

وأظن أن درويش لم يأخذ من الشاعر محمد ضمرة مطلع قصيدته ( لا شيء يعجبني ) . فهذه عبارة شائعة تتداولها الألسن تداول الأمثلة السائرة ، فهي تستخدم كثيراً في حياتنا اليومية ، وهي مما يعدها النقاد العرب القدامى ( معاني مشتركة ) وهي لا تعد من ( السرقات الشعرية ) باتفاقهم جميعاً . وإذا افترضنا أن درويش قد قرأ قصيدة ضمرة وعلقت هذه العبارة بذهنه فأخذها واعياً أو غير واع ، فإنه كتب قصيدة أخرى مختلفة عن قصيدته ، قصيدة أرحب أفقاً وأعلى فناً ، فصيدة لا تعبر عن حالة نفور شخصي كفصيدة ضمرة ، بل تعبر عن نفورنا العام المشترك وحيرتنا الوجودية وضيفنا بحياتنا اليومية الشاقة وأوضاعنا العامة المتردية . ودرويش لم يضع هذه العبارة بين قوسين اعترافاً منه بالأخذ كما ذهب الأستاذ ماجد جابر، بل لأنها ( مقول القول ) كما يقول اللغويون .

 

الشاعر سالم النبريص كتب تعقيباً على مقال الشاعر حوامدة نشر هو الآخر في جريدة الدستور فاستخدم في تعقيبه كلمة ( الأخذ ) ولكنه كان يعني السرقة ببعديها الأدبي ( الفني ) والأخلاقي ، في ما أحسب . فتحت عنوان ( في خبزه الكثير من قمح الآخرين ) قال ( درويش أخذ الكثير من الشعراء الآخرين ، سواء أكانوا عرباً أم أجانب . وهذا موضوع قديم ، يعرفه كل متابع نزيه. ولا يتفّرد به وحده ، فنحن جميعاً بشر نتأثّر بما نقرأ . حتى أنني قلت في زمان قديم وفي ندوة ثقافية بغزة ، إنّ في خبزه الكثير من قمح الآخرين ، لكنه خبّاز ممتاز على أي حال ) ثم أضاف ( أخذ شخصياً منّي ، وفي موضعيْن . ربما عن توارد خواطر ، وربما لا ) . وللتدليل على ذلك ذكر أن درويش أخذ عبارة ( ليت الفتي شجرة ) من قوله ( ليت الفتى حجرُ ؟ / .. عاشوا وما قدروا ! / ليت الفتى شجرة / يعطي .. وينتظرُ / من قاطفٍ .. حَجَرَهْ! ) . ثم قال موضحاً ( أظنّ أن درويش استخدم “ليت الفتى شجرة” في كتابه “أثر الفراشة” الصادر عام 2008. أما الموضع الآخر، فهو عن الماعز الجبلي ، ولا توجد لديّ الآن نسخة من الكتاب ، فأنا أكتب هذا التعقيب من الذاكرة ، بعيداً عن كتبي ومكتبتي ) . . ( عموماً كلنا نتأثّر، وهذا ليس بجديد على عالم المبدعين . وكما قلت لك ، إنني أكتب من الذاكرة ، وعليه ، فأتذكّر اللحظة، أنّ درويش أخذ من الشاعر أمجد ناصر أيضاً. ولو كانت لديّ كتب الإثنين، لأثبتّ لك ولجمهور القرّاء الكرام ) .

 

يلاحظ أن الشاعر النبريص ، وإن حاول أن يستخدم لغة متحفظة ، كان مباشراً في اتهام درويش بالأخذ منه ، فأفاد بأنه أخذ منه في موضعين : موضع حدده ، وآخر لم يستطع تحديده لأنه بعيد عن كتبه ومكتبته كما قال، ولكنه أعطانا إشارة إليه ( فهو عن الماعز الجبلي ) . وحين عدت إلى كتاب درويش ( أثر الفراشة ) وجدت فيه قطعة عنوانها ( ليت الفتى شجرة ) تحدث فيها عن فضائل الشجرة ، وختمها بقوله : وقديماً قال الشاعر ( ليت الفتى حجر ) وليته قال ( ليت الفتى شجرة ) . وأنا أتساءل الآن : ألا يمكن أن يكون هذا مجرد تداعٍ ، أو توارد خواطر استدعته طبيعة الموضوع ؟ ألم يحتمل النبريص نفسه أن تكون العبارة قد حضرت درويش عن هذا الطريق ؟ الطريف أن هذه القطعة هي من قطع درويش التأملية النثرية الكثيرة وليست من قصائده الشعرية ! أي بمعنى أن درويش لم يستخدمها في شعره بل في نثره . أما عن الموضع الثاني الذي أشار إليه النبريص بدلالة ( الماعز الجبلي ) فلم أعثر عليه في كتاب درويش ( أثر الفراشة ) برغم أنني راجعته وقرأته مرتين .

 

والآن ، بعد هذا الاستعراض الطويل ، أذكّر بأنني قلت : إن درويش استخدم في شعره أشكال التناص المختلفة ، ومنها ( التناص النصي ) . وقلت : إنه كان يستخدمه بكثرة ، فيقتبس عبارات ، وأبياتاً شعرية ، أو أجزاء من أبيات ، وأمثلة ، وعناوين كتب وقصائد ، وحكماً ، وغير ذلك ، وهو يدمج ما يقتبسه بقصائده بعد تحويل اتجاهه ، لتوسيع أفق القصيدة الدلالي وإثرائه ، بل هو يجعل ما يقتبسه أغنى مما هو عليه في نصوص الآخرين في كثير من الأحيان.

 

المصدر: