"المدنية": الكائن الذي لم يوجد

تاريخ النشر 2018-01-11 21:11:49 أخر تحديث 2018-02-17 23:05:43 المدنية: الكائن الذي لم يوجد

منذ بدء الحراك الاحتجاجي في العراق حتى هذه اللحظة، فإن أوضح توصيف لهذا الحراك هو حالة الاضطراب والانزلاق نحو المجهول، وذلك من خلال فقدانه لشرطين مهمين للغاية: التأسيس والبناء، والحوار العقلاني المنفتح مع باقي الفئات المختلفة. فقد كنّا نعتقد (إن كنّا نفكر حقاً) إن توظيف كلمة غامضة ومضطربة ولها أكثر من دلالة، يمكنها أن تموّه على وعي المجتمع القائم على أيدلوجية رفض صارمة تجاه التجديد.

 

وبما أن العلمانية تمّت محاربتها وشيطنتها بطرق تعبوية من قبل الإسلام السياسي وإجهاضها قبل أن تولد، فلابد، والحال هذه، أن نوظف مولوداً، ملاكا طاهراً اسمه" المدنية" (أهاا!)، وبهذا نكون قد فزنا بالحسنَيين، حسنى القبول الاجتماعي، وحسنى التنظير الصارم والمنضبط!. لكن المفهوم غامض، والغموض مادة دسمة وغنية تحيلنا إلى الغيب، فمن هذه الناحية يمكن إدراج المدنية في سياق الغيبيات، إذ كانت كعبة مقدسة لأكبر انتهازيي السياسة ولصوصها. إنها درّة التاج الضائعة والطلسم السحري المدهش الذي كانت تنتظره لصوص الخضراء، وبتعبير آخر، إنها صك الغفران الذي وهبناه لهذه الزمرة المتواطئة مع الشيطان، الشيطان الذي تنسب له كل صنوف الرذائل والإغواء دون أن نراه في العيان. فمن هنا كانت" المدنية" الشيطان والغيب وصك الغفران الذي كانت تحتاجه زمر الخضراء. شيطان لأنها شديدة السحر والإغواء، وغيب لأنها لاتفصح عن معالمها وماهيتها في الخارج بقدر ما هي حبيسة مقولات ذهنية، وصك الغفران لأنها قٌدِمَتْ على طبق من ذهب من قبلنا لهذه الزمرة لعبور آخر وتدمير آخر وسرقة آخري. إنها لحظات صوفية وعقد اجتماعي من طراز آخر كان ثمنه قاصماً لظهورنا. إنها كوميديا سوداء كنّا فيها عبارة عن كومبارسات تثير الشفقة، وكان أبطالها شخصيات مغرقة بالميتافيزيقا، شخصيات كانت تبحث عن شعب لا وجود له، واشتراطات لا وجود لها، كانت تبحث عن شعب مستنير يخرج من تلقاء نفسه ويسلّم زمام أمره إلى أبطال روائيين ليس لهم اثر ولا عين، واشتراطات لم يشترطها حتى فيلسوف التنوير عمانؤيل كانت!.

 

المهم أننا كنّا نبحث عن شعب مستنير ينبغي أن يتظاهر حتى لو لم يعرف وجهته إلى أين، حتى لو كنّا متشرذمين ونتصرف بمنطق الشيخ، ما يهم في الأمر إننا مستنيرون، كيف مستنيرون؟ لأننا لسنا متدينين وهذا يكفي كشرط أولي للتنوير، فما علينا سوى التخاصم والتنازع على مراكز القرار ونتحول إلى شتات، ومن ثمّ نتهم الشعب بالجهل والحماقة لأنه لا يدرك مصالحه الحيوية. لقد أدركناها(نحن "المدنيين"!) وها نحن نحصي ثمارها، وثمارها الواضحة هي أننا فشلنا بفهم واقعنا، وفشلنا لأننا لم نتجاوز ثقافة المحاصصة، وفشلنا لأننا قتلنا كل روح احتجاجية، ولم يعد هذا الشعب يثق بنا، وفشلنا لأننا أظهرنا للملأ شيخ العشيرة القابع في أعماقنا، ومن ثم ليس علينا من حرج إن شتمنا الشعب على أنه " قطيع"، ولكلمة القطيع دلالتها الواضحة، فما علينا سوى التأمل بها ملياً لنفهم وبصدق من هم القطيع ياترى؟.

المصدر: