ثقافة الحواشي

تاريخ النشر 2018-03-13 17:41:23 أخر تحديث 2018-10-23 17:27:52 ثقافة الحواشي

تنتشر في ثقافتنا العربية على وجه العموم والعراقية عل وجه الخصوص ثقافة الحواشي، وما من ملك أو رئيس أو شيخ عشيرة أو شخصية دينية إلا وقد توفّر على مجموعة من المقرّبين يتصدرون النظام الهرمي وتكون بيدهم مقاليد الأمور. والحاشية لها الأولوية القصوى في تحديد مسار الأحداث، ولأن السلطة في الشرق دائماً ما تتخذ نظاماً هرمياً، ولا سلطة هناك فوق رأس الهرم، فالسد الأمين في مثل هذا الحال هو الحاشية بدلاً من مجموعة من المستشارين.

 

ظل هذا التقليد سارياً في الجماعات الدينية، علماً أن الفقهاء يصرّحون بأهميّة أهل الاختصاص في المواضيع التي تقع خارج نطاق الفقه. فالأحكام من اختصاص الفقه والمواضيع من اختصاص أهل العلم. فعلى سبيل المثال: الموضوع(خمر) الحكم (حرام) فالموضوع يتم التأكد منه من أهل الاختصاص إذا ما كان هذا السائل خمراً أم لا وتسمّى هذه الأمور بـ " الشبهات الموضوعية. غيرأن الثقافة الدينية ظلت وفيّة للتقليد الشائع الذي يعلي من شأن الحواشي حتى لو كان في الأمور السياسية!.

 

تكمن المفارقة في أن الحواشي لا تتمتع باختصاص أكاديمي، وإنما يتمتعون باختصاص فقهي تحديداً. فمن هنا، إن كان القائد الديني يسعى للعمل السياسي، فستتعرض أي عملية إصلاح لانسداد وسكون تاريخي وفشل في تحقيق المطلوب، لأن القائمين على سير الأمور ليسوا من أهل الاختصاص؛ فـ "أهل الحل والعقد" ينبغي أن تتوفر فيهم المؤهلات الأكاديمية اللازمة لخوض رحلة الإصلاح أو أي عملية يراد بها الخروج إلى المجتمع.

 

المفاوضات الإيرانية بخصوص الأزمة النووية لم تتم بواسطة الحواشي، وإنما بقدرات خبراء أكفاء (حتى وإن كانوا يتحركون ضمن خطوط عريضة للمرجعية) من خريجي أكبر الجامعات الغربية. لا يمكن إدارة ملف سياسي خطير دون الاعتماد على ذوي الاختصاص. كما لا يمكن التصدي للعمل السياسي بعدّة حوزوية كلاسيكية. للحوزة الدينية شؤونها ومجالها ورجالها، وللعمل السياسي شؤونه ومجاله ورجاله، فحينما يتصدى رجل الدين للعمل السياسي يكون قد غادر صفته الحوزوية - من الناحية النظرية- للدخول في فلك الصراعات السياسية حتى لو كان وجوده محض وجودٍ رمزي.

 

سواء جادلنا بمفهوم الإصلاح وجدواه وواقعيته في ظل نظام اجتماعي وسياسي فاسد، سواء جادلنا بالمقارنة بين الإصلاح والثورة وأيهما يصلح في وضعنا هذا. لو استثنينا هذه الإشكاليات، يبقى الأمر المهم: كل من يسعى للإصلاح لابد أن يتدرّع بكتيبة أو سرية من الخبراء! أسوة بالكتائب والسرايا العسكرية. للعسكر دوره في حسم المعركة، وللخبراء دور في إرساء دعائم التفكير الصحيح. الخبراء يختزلون الزمن ويضبطون النزعة الارتجالية التي تتفشّى في ثقافتنا وبدونهم نغدو متعلمين على طريقة التجربة والخطأ، وهذا الأخير استنزف  أعمارنا ودماؤنا! دون أن نبني لبنة واحدة.

 

الارتجال آفة الفكر والحكمة والقنبلة الموقوتة التي يمكنها أن تمزّق الفكر وتحيله إلى أشلاء. لم تستعمرنا الدول الغربية بارتجالها، بل بخبرائها ومراكز بحوثها ودراساتها المعمّقة. الحضارة التي لا تحترم أهل الفكر مصيرها الأفول، وتبقى شبح حضارة وذكريات ترويها لنا العجائز. الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي لم تقم بها حاشية الرئيس، بل قامت بها عقول جبّارة ومرعبة والتي فككت منظومة الأتحاد السوفيتي. فلنغادر ثقافة الارتجال والتفرد، فالقيادة لا تستمر بالانطباع والمزاجيات، وإنما بالحكمة وتعقل الأمور وتبصر المستقبل من خلال ما يقوله لنا الخبراء وليس الحاشية.

المصدر: