مدينة (الثورة/صدام/الصدر) والأسئلة الممنوعة

تاريخ النشر 2018-06-11 11:55:59 أخر تحديث 2018-10-15 18:22:46 مدينة (الثورة/صدام/الصدر) والأسئلة الممنوعة

تمثل مدينة (الثورة/صدام/الصدر) إشكالية معرفية وتطبيقية لم تنال حظها من الدراسة والبحث، وهي في نفس سياق واقع العراق الذي أصر دائما على هذا التوصيف بشأنه بـ (بلد غير مدروس).

 

تكونت هذه المدينة من نزوح سكاني جاء على (كتل قرابية) وجماعات ثقافية متقاربة من جنوب العراق وخصوصا من محافظة ميسان (العمارة) في نهاية الخمسينات جراء ظروف معاشية واقتصادية سيئة ورغبة في تغيير وتحسين الأحوال، وتم توطين هذه الجماعات القادمة في المنطقة الواقعة في الجزء الشرقي من بغداد والمعبر عنها أحيانا بشرقي القناة (أي شرق قناة الجيش) ضمن تنظيم سكاني ميزها عن باقي احياء بغداد بقطاعاتها الـ (80) وأطلق عليها أسم مدينة الثورة من قبل عبد الكريم قاسم نسبة إلى ثورة 14 رمضان 1958 التي أسست الجمهورية العراقية الأولى، وكان لوزيرة البلديات نزيهة الديلمي آنذاك دور في المدينة.

 

مثلت هذه المدينة خصوصية في طبيعتها الديمغرافية التي جاءت من أصول عشائرية معروفة في الجنوب وعلى شكل جماعات قرابية تجسد ذلك في تلوين قطاعات المدينة (قطاع الشويلات، قطاع البودراج، قطاع السواعد،....الخ)،وظل هذا التماسك المدعوم بوحدتي (الدم والثقافة بكل تفرعاتها) بمثابة عامل وقاية سواء لمواجهة أفعال التفتيت او لأي عمل تغييري خارجي او داخلي.

 

وعلى مرور تأريخ المدينة الذي تجاوز الستين سنة وضعت من خلال إنحياز خارجي مفروض (عبر التسمية) في خنادق فاقعة الألوان دون أن يكون ذلك خيارها الشعبي أو المدني، فمن تسميتها بالثورة رغم أنها لم تكن حاضنة تلك الثورة ولم رمز تلك الثورة من أبنائها ولم تكن المدينة الأقرب لمعطيات أو فكر تلك الثورة، مرورا بتسميتها بـ(مدينة صدام) حيث تبرع أحد المنافقين من خلال زيارة صدام لها بعد تسنمه السلطة في عام 1979، وقال بأن هذه المدينة من الآن هي مدينة صدام وليست الثورة، فهتفت الجماهير خوفا وهلعا بالموافقة والتصفيق ثم سلط عليها سمير الشيخلي بوصفه أمين العاصمة، ولم تكن أيضا مدينة صدام لا مولدا ولا تربية ولا احتضانا ولا تمثيلا لفكره ولا حبا لسيرته ولا حظوة وتقريبا في زمن حكمه وسلطته بل على العكس من كل هذا ثم تم اختيار أسم (مدينة الصدر) لها بعد 2003 وأيضا بفرض خارجي على أساس أن المدينة الأكثر تأييدا وتقليدا للشهيد محمد الصدر(رض)، ولم تكن أيضا الأكثر تمثيلا لفكر الشهيد الصدر أو الأرضية الأساس لمشروعه رغم وجود عدد كبير من مقلدي السيد فيها، وهكذا كانت المدينة تحمل أسماء تحمل من خلالها توصيفات مستبطنة لتصورات ومفاهيم وقيم ورؤى لا علاقة لها بها ولم تكن من إنتاجها، وليست خيارها الشعبي أو المدني، وقد وضعتها في كل تلك المراحل كخزان للتعبئة في ظل حشد لفظي منمق ومقصود عبر خطاب توجيهي خطي ينطلق من (الخارج المستفيد) دون أن يكترث بـ (رجع الصدى) ويسمح للآخرين بانتزاع مواقف وفهومات تخص المدينة وترسم وضعيتها تجاهها بناء على تلك التسميات المنحازة وذات الألوان الفاقعة.

أسئلة كثيرة نحتاج أن نكسر حاجز الممنوع ونضعها بشأن تلك المدينة المهمة ماضيا وحاضرا ومستقبلا، وأولها: هل كان من المناسب أن تضم هذه الكتلة السكانية الكبيرة القادمة من مستوى متباين جدا (اقتصاديا وثقافيا واجتماعيا) مع العاصمة بغداد؟ وهل كان قرار توطينها استجابة لأمر واقع أم أن هناك مقاصد وأهداف دفعت السلطة في تلك الفترة لقبولها ووضعها في هذا المحل من بغداد؟ بعد التوطين: هل شعرت هذه الكتلة السكانية والمنطقة الكبيرة التي تمثل أكبر جزء من بغداد (وعلى طول التأريخ) أنها جزء حقيقي من العاصمة ومكون رئيسي منها أم أنها ظلت في حالة اغتراب وانكفاء داخلي فهي في بغداد وليست منها؟ وفي المقابل هل نظر البغداديون (وعلى طول التاريخ) إلى هذه المدينة وسكانها على أنهم جزء حقيقة من العاصمة ومنهم دون أن يكون فارق بينهم؟ وهل كان العزل بـ (قناة الجيش) و (شارع فلسطين) والذي يمثل نموذج مدني وحضري مختلف، هو سلوك مقصود لعزل جغرافي وديمغرافي وثقافي وحتى سياسي لهذه المنطقة عن غرب القناة بكل بغداد (رصافة وكرخ)؟ولماذا وضعت هذه المدينة كخزان تعبوي تم الصعود على أكتافه سواء في وهج الصعود الأحمر الشيوعي وعد مدينة الثورة منطقة تجلي للمقررات السوفيتية الحمراء أو في حالة استعمالها كمادة بشرية رخيصة في الحرب العراقية الإيرانية وما بعدها بحيث كانت شوارعها مغطاة بالتمام بالقطع السوداء جراء العدد المرعب من قتلى وجرحى وأسرى الحرب العراقية الإيرانية، وأخيرا بتوظيفها كقاعدة جاهزة لكل فعاليات التيار الصدري او الجهات المنشقة عنه في الحراك الثقافي او الاعمال الاجتماعية أو القتالية، فكان عماد جيش المهدي منها وهكذا الجيوش الأخرى ذات الصلة؟ وهل حملت كل تلك الجهات التي وضعت عنوانها كاسم للمدينة محملة لها عبأ صورة نمطية لم تكن من خيارها بأن تضع تلك المدينة وأهلها كمشروع تنموي أو تطوري لها أم انها ظلت مثل العيس في البيداء؟ ولماذا هذه الازدواجية الغريبة فمن جهة تعد المدينة أحد أهم الروافد للنخب الرياضية والأدبية والثقافية والفنية ولديها قائمة مميزة من المبدعين تتجاوز في ذلك حتى مع حساب النسبة والتناسب السكاني كل ضواحي بغداد ومع ذلك تصنف المدينة على أنها فقيرة حضاريا وثقافية ويضعها الواصفون في خانة المدينة المتخلفة؟

ولماذا لم تحاول تلك النخب على تغيير مدينتهم بأي جهد ثقافي أو معرفي أو اقتصادي، بل كانت ولا زالت حالما تدخل في إطار الشهرة تتحول سواء سكنا وعملا، او تواجدا وولاء من شرق القناة إلى غربها، وتنقل عطائها إلى مناطق أخرى تنظر بالدونية لمدينتهم، والامر هنا لا يقف عند النخبة الثقافية بل حتى الذين تتطور قدراتهم الاقتصادية أو مواقهم السياسية تصبح المدن والمناطق الأخرى محلا لنشاطهم وتأثيرهم؟ وهل يوجد وعي جمعي أو نخبوي في المدينة يدرك حجم تلك التساؤلات التي تحيط بهم وبمدينتهم وما هو موقفهم منها؟ ولماذا يتجلى البعد العشائري بهذه المدينة في شكل مختلف يتجاوز كل أشكال النماذج العشائرية سواء في قرى وأرياف العراق وحتى القرى والأرياف التي نزح منها سكان المدينة أو سائر المدن العراقية التي يتواجد فيها الوضع العشائري بحضور فاعل مثل مدينة الديوانية والناصرية، وكيف تحولت العشائرية من نمطها المعروف بمحدداتها إلى حالة وظيفية (وظيفة شيخ، وجه اجتماعي، كبير عمامه،....)،وإلى مشروع للتكسب أو مدخل لإعادة تخطيط المدينة (سكانيا) بحسب توازنات قوى التأثير للنفوذ العشائري المختلق؟

 

وإذا كانت تلك أسئلة الماضي والحاضر فهناك حزمة أكثر خطورة تتعلق بالمستقبل ومنها: هل توجد في المدينة حركة وعي حقيقي يمكنها أن تقوم على زحزحة تلك القيود والتراكمات التي أثقلت المدينة ووضعتها بهذه الحالة؟ هل من الخير للمدينة وللعاصمة بغداد أن يتم فصلها في محافظة مستقلة مع إلحاق مجموعة من الضواحي والمناطق وخصوصا من الحزام الشرقي لبغداد لتنتج مركب أثني ومذهبي مميز يعيد صياغة نفسه في إطار مختلف ويسمح لبغداد أن تبقى على لونها كعاصمة؟ وإذا كان سؤال الفصل يثير حساسية كبيرة وربما يفتح باب لعواقب غير حميدة، فهل هناك جهد أو وعي أو نية من طرفي بغداد (شرق القناة وغرب القناة) أن يكون هناك اندماج حقيقي وفعلي ونفسي بحيث تصبح هذه المدينة في نظر الآخرين كغيرها من أحياء بغداد، خصوصا والغريب في الأمر أن أكثر أحياء بغداد قسوة في نظرتها السلبية للمدينة هي ضاحية شيعية والمتمثلة بالكاظمية، وإذا عرفنا أن خزان الطبقة العاملة التي تحمل على أكتافها كل أو معظم الأعمال البدنية الضرورية لمدينة بغداد وأهلها هي قادمة من أهالي مدينة (الثورة/صدام/الصدر)؟ هل يسمح للمدينة أن تختار (ذاتيا) لنفسها أسم ستناسب مع خصوصيتها السكانية وتاريخها ويجنب إشكالية فرض الانحياز الخارجي دون أن تكون صاحبة الخيار فيه ويمنع عنها في ذات الوقت أي إسقاطات تجلبها تلك التسميات في ظل تبدل نمط السلطة الطبيعي في كل الأوطان؟ هل يمكن أن نتحدث عن سلام وأمن ثقافي وأمني للعاصمة بغداد مع حزامها المعروف بكل ما فيه ومع هذا التضاد الثقافي الحاد بين أكبر كتلة سكانية فيه والجزء الآخر منها، خصوصا وأن المدينة تنزاح بكل خصوصياتها لأي منطقة تعيد تشكيلها فيها على شكل أزقة أو أحياء أو مناطق في مناطق بغداد الأخرى؟

 

تتفرع من جردة الأسئلة التي أوردتها مئات الأسئلة الفرعية والتي يمكن أن تصوغ ورقة تتعلق بمستقبل المدينة الأكثر إشكالية في العراق، وتضع الجميع (الدولة والمجتمع بكل فئاته) أمام مسؤولية وتحد كبير يمكن أن يكون مفتاح لتأسيس مدنية حقيقة تتجلى في الجوهر والمظهر ولا تكون مجرد شعارات انتخابية.

 

 

د. نعمة العبادي: خبير في الشؤون الأمنية والاستراتيجية

المصدر: