العبث النقدي بتاريخ الإسلام: محمد آل عيسى نموذجا! (2-3)

تاريخ النشر 2018-07-07 01:24:23 أخر تحديث 2018-09-19 15:18:12 العبث النقدي بتاريخ الإسلام: محمد آل عيسى نموذجا! (2-3)

أقدم ذكر للنبي العربي في المصادر غير الإسلامية:

7-ينفي محمد آل عيسى أي وجود لما يمكن تسميته بالإسلام "في السجلات التاريخية للقرن السابع". والكاتب هنا يطرح معلومة مضللة وغير صحيحة تقول (لا يوجد ما يمكن تسميته بالإسلام في القرن السابع في السجلات التاريخية) فأي سجلات يقصد الكاتب؟ هل هناك مديرية اسمها هكذا، أم يقصد في "السردية التاريخية المدونة"، وفي أي مكان وبأية لغة؟ أفي بلاد العرب والمسلمين أم في الغرب الذي يضع عينه عليه؟ إذا كان يقصد في بلاد العرب والمسلمين فالشواهد المكتوبة والمدونة كثيرة في المصنفات التاريخية، وتعود كما ذكرنا الى منتصف القرن الهجري الثاني وهو يوافق 760 ميلادي. أما في الوثائق المكتوبة غير العربية فأقدم وثيقة تصلنا عن الإسلام والنبي محمد وتعود للمصادر الرومانية البيزنطية كتبت بعد مدة وجيزة من وفاة النبي سنة 632م، والوثيقة معروفة لدى الباحثين والمؤرخين باسم تعليمات يعقوب المعمد حديثا[1]، وفيها موقف وكلام سلبي جدا حول النبي العربي الكريم وعن الدين الجديد ضمن حوار بين يهودي تحول الى المسيحية وبين عدد من اليهود. وكتب أحد المشاركين في الحوار، أن شقيقه كتب له كلاما سلبيا عن نبي جديد ظهر وسط الشرقيين[2].

 

وكتب شخص آخر كلاما سلبيا أيضا يهجو فيه النبي العربي ويصفه بأوصاف الشدة والتبشير بالحرب، وهذا يؤكد أن وجود النبي كان معروفا للجهات الدينية المسيحية واليهودية في ذلك العهد، أي حين كان النبي على قيد الحياة والتأسيس لدينه ودولته، ولكنهم لم يذكروا اسم النبي العربي في هذا الجدال أو المناظرة بل ذكروا صفاته، ربما لأنهم يجهلون اسمه، أو قد يكون ذلك تجاهلا له ضمن سياق الهجاء والذم لعدوهم الديني والدنيوي القادم. وهذا ليس أمرا جديدا، فلم يكن اليهود وأحبارهم يذكرون اسم يسوع المسيح، بل يشيرون إليه بأوصاف سلبية عديدة.

 

ونحن نذكر هذه الوثيقة من باب التوثيق ليس إلا، ولا يهمنا المضمون الوارد فيها، لأنه يدخل في أجواء العداء التقليدي والمتبادل الذي يحمله أصحاب أديان قديمة وراسخة لدين جديد قيد التأسيس، ومن قبل نبي جديد لم يعرفوا عنه الكثير، ومن الطبيعي أن ينظروا إليه بسلبية شديدة، سيما وأن اليهود كان لهم وجود في يثرب، وكانوا شهودا على قيام دولة الإسلام فيها، وكانوا طرفا في الأحداث التي حدثت لاحقا. وربما كان شقيق الشخص اليهودي الذي ورد ذكره من يهود يثرب. بل هذه التقييمات السلبية للإسلام ونبيه وللمسلمين ستبقى هكذا لعدة قرون وصولا الى القرون الوسطى، فكتعبير عن ازدراء المسيحية للإسلام بالكلام قام رجال دين مسيحيين بتحريف اسم النبي من محمد إلى ماهوند Mahound، "وتعني الكلمة "الشيطان المتجسد". [3]

 

8-ولكي ننتهي من هذا الزعم حول "لا حقيقية النبي محمد" التي يكررها بحماس آل عيسى نقول، نسجل أيضا أن هناك مصادر أخرى معاصرة لعهد النبوة وصدر الإسلام، مثل كتابات وعظات البطريرك صوفرونيوس Sophronius بطريرك أورشليم القدس، والذي ولد سنة 550م، وهو الذي استقبل زعيم العرب المسلمين وخليفتهم عمر بن الخطاب، وسلمه مفاتيح المدينة المقدسة بعد حصار عسكري طويل. وكتاباته تعتبر أقدم نص غير إسلامي يتحدث عن الفتوحات التي بدأت في عهد النبي وتواصلت موجتها الثانية والشاملة بعد عامين من وفاته، أو بعدها. وكان هذا البطريرك، كما يصفه الباحث حسام عيتاني في كتابه المهم (الفتوحات العربية في روايات المغلوبين)، أول صوت مسيحي يتحدث من موقع الحدث.

 

لقد كتب البطريرك صوفرونيوس رسالة إلى المجمع الديني الخلقيدوني في روما، ويرجح المؤرخون أنها كتبت في سنة 633 أو مطلع 634 م. أي قبل قرن ونصف من بدء العرب المسلمين حركة التأليف التاريخي. وفي رسالته هذه يحرض البطريرك القيادة الدينية في روما على مساندة المسيحيين لمواجهة البرابرة القادمين شاهرين سيوفهم. وبعد سنة من رسالة البطريرك، حالت غارات العرب المسلمين بين الحجاج المسيحين والوصول إلى مدينة بيت لحم في فلسطين. فألقى البطريرك عظة دينية في ظروف الحرب مفسرا غارات العرب المسلمين بانها عقاب من الله للمسيحيين بسبب ابتعادهم عن تعاليم دينهم ...الخ. ونقرأ في موقع بطريركية أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس على شبكة الإنترنيت في سيرة حياة البطريرك صوفرونيوس الآتي (ثمّ كان الفتح العربيّ الإسلاميّ وحوصرت أورشليم سنتين. فاوض صفرونيوس، على أثرها، الخليفة عمر بن الخطّاب، فأمّنه على المسيحيّين وأماكن العبادة التابعة لهم وفُتحت أبواب المدينة. كان ذلك سنة ٦٣٨م. لم يعش قدّيس الله بعد ذلك طويلاً لأنّ الرّب الإله اختاره إليه. كان ذلك، فيما يُظنّ، في حدود العام ٦٣٩م)[4]

 

9-ثمة أيضا ما ذكره المؤرخ الأرمني سيبيوس، الذي عاش وكتب في القرن السابع الميلادي، أي في عصر النبي محمد بن عبد الله، وكتب سيبيوس أن رجلا ظهر بين العرب وادعى النبوة، وأنه أعاد الاعتبار الى صلة النسب التي تربط العرب بإسماعيل ابن النبي إبراهيم القادم من أور الكلدانية، بحسب الرواية التوراتية. وفسَّر ذلك بأنه تم بإيحاء من اليهود، وعاد سيبيوس ليفسر الأحداث وكأنها عقاب من الله للمسيحيين جراء الخطايا التي ارتكبوها. وأطلق سيبيوس على العرب المسلمين اسم "الوحش الرابع" الذي يريد أن يبني المملكة الرابعة الشريرة" في إشارة الى ما ورد في التوراة - سفر دانيال عن المملكة الرابعة الوحشية والشريرة.[5]

 

*ولكن الاسم الأكثر شهرة في الغرب، والذي تكلم عن العرب المسلمين في العقود الأخيرة من القرن السابع الميلادي، هو اسم يوحنا الدمشقي "يوحنا منصور بن سرجون"، الذي ولد سنة 676 م، أي بعد نهاية عصر الخلفاء الراشدين بمقتل علي بن أبي طالب، بثلاثة أعوام تقريبا، وبداية تأسيس الدولة الأموية. وكان والد يوحنا يعمل موظفا كبيرا في بلاط الخلافة الأموية، وقبله كان جده يعمل رئيساً لديوان الجباية المالية فيها، بعد ان كان مسؤولا ماليا في الدولة البيزنطية لدى الإمبراطور هرقل. ويعتبر هذا الراهب مثقفا يجيد اليونانية والعربية، وكان له موقف سلبي جدا من الإسلام ونبيه، وله رسائل عديدة في هذا الباب. وقد ترك مؤلفين، هما محاورتان ساقهما بين مسيحي ومسلم، وكان الغرض من هذين الكتابين أن يكونا مستنداً مساعداً للمسيحيين في مناقشة المسلمين، شدد فيها على كون المسيح ابن الله وحرية الإرادة الإنسانية التي أنكرها الأمويون، ضمن ثنائية: هل الإنسان مخير أم مسير؟، في كتابه (الهراطقة)[6]. واعتبر يوحنا الدمشقي الإسلام نوعاً من المسيحية المُهَرْطِقة. وفي الكتاب المذكور، سردَ الدمشقي قائمةً من مائة هرطقة ظهرت بين القرن الأول والقرن السابع، ونال الإسلام الترتيب المائة في تصنيف الدمشقي.

 

التشكيك بوجود مدينة مكة القديمة:

10-يشكك محمد آل عيسى بوجود مدينة مكة القديمة باعتبارها مهد الإسلام، فتارة ينكر وجودها في موضعها الجغرافي المعروف، وتارة يقول إن الاسلام ولد ونشأ في الشام ثم انتقل إليها، وهو، هنا، يكرر مقولات المستشرقة باتريشيا كرون (Patricia Crone) في كتابها "الهاجرية"  (Hagarism)  ويرجم خطأ احيانا بـ "الهاجريون"[7]، و يكرر تحديدا رأيها القائل بوجود موقع آخر مفترض واحتمالي لمكة قرب البتراء في الأردن الحالي. إن آل عيسى يكشف عبر هذه المقتبسات المنتزعة من سياقات مختلفة ومتباعدة عن أنه لا يحمل فكرا شخصيا يخصه هو، بل يقوم بعملية مونتاج تأليفية لأقوال وكتابات كلِّ من شكك أو قال سوءاً حول الإسلام وحول وجود مكة. وحتى السيدة كورن احتفظت بشيء من الأصالة الشخصية هي وشريكها في تأليف الكتاب مايكل كوك، وقدمت حججا ومقاربات نظرية يمكن لنا مناقشتها ونقدها ورفضها أو قبولها، ولم تكتفِ بتجميع نظريات ووجهات نظر غيرها لتجمعها في كتاب شامل حول الإسلام ككل، أي كدين وقصة تاريخية ورموز وأحداث هزَّت العالم القديم وتجعل منه "خرافة غير قابلة للتصديق" ...الخ.

 

إضافة إلى ما تقدم، فإن آل عيسى يستنسخ ويستلهم خبط عشواء محتويات الفيلم الوثائقي التاريخي الذي صنعه توم هولاند، المعروف باسم " ظل السيف: معركة الإمبراطورية العالمية ونهاية العالم القديم-2012 "، وهولاند هذا شخص لا علاقة له بعلم التاريخ، وهو أقرب الى الصحافي الهاوي المغامر، وحتى في سيرته الشخصية المعلنة نقرأ انه (كاتب ومؤرخ شعبي قدم بعض كتب غير أكاديمية، وعمل مع إذاعة البي بي سي، وقدم لها برنامجين تلفزيونيين تاريخيين. وبعد الضجة التي أثارها فيلمه "ظل السيف" الذي حوله الى كتاب، أعلنت أكاديمية التعليم والبحوث الإسلامية[8](IERA) والتي يرأسها أنتوني واكلاو كرين (Mr Anthony Waclaw G Green) ، ومقرها المملكة المتحدة أن الفيلم الوثائقي "غير دقيق تاريخيا" وأن "التحيز فيه واضح". وقد صرحت "إيرا" في بيان لها (أن في الـ74 دقيقة للفيلم كان الفيلم مليئا بالحجج المعقدة والمعتمدة على المنح الأكاديمية، حيث أنه كان يجب على هولاند أن يقضي وقتا أكثر مع المؤرخين الإسلاميين بدلا من إضاعة وقته في التعلم من البدو).

 

11-لنحاول مقاربة قصة تلك القرية الحجازية التي تسمى مكة: لم تكن مكة في صدر الإسلام مدينة بل قرية كبيرة، ومن هذا الواقع جاء اسمها القرآني "أم القرى" (لِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا- الأنعام ٩٢)، وتقع في واد أجرد، أو تحول الى أجرد بعد انقطاع السيول من الجبال المحيطة به، فهناك إشارات الى أنه كان، كما يصفه جواد علي في موسوعته "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام"[9] (يغطيه الشجر الذي انبتته السيول ورعته الطبيعة بعنايتها)، وتحيط بمكة ثمانية جبال بركانية. وقد شاهدتها شخصيا قبل عدة أعوام، حيث كانت الجبال في الطريق إلى مكة من جدة أشبه بأكوام أو تلال من الحجر الداكن اللون. هذا الواقع الجغرافي والجيولوجي، وكون مكة قرية كبيرة، ولهذا سميت أم القرى لأنها أكبر القرى المحيطة بها، هو ما جعل الباحثة كورنه وقبلها سال دان جيبسون يخطآن، ويطيش بهما الخيال، فيكتب جيبسون أنه تخيل مكة (مدينة قديمة ذات أسوار كانت هناك مليئة بالبيوت والجنان والمباني والمعابد) فخاب أمله كما كتب في كتابه "مكة في جغرافية القرآن" .

 

12-إن كون مكة قرية معزولة في منطقة وعرة وبركانية، هو ما جعلها غير ذات أهمية أنثروبولوجية ولا تحتضن الكثير من البقايا الأركيولوجية "الآثارية". والواقع، فليست مكة هي القرية أو البلدة الوحيدة التي لم يرد ذكرها في الجغرافيا والتاريخ القديمين قبل الإسلام، بل هناك مئات القرى والمدن الشبيهة بها والقائمة اليوم. أما إنكار وجود مكة مطلقا قبل الإسلام، أو كونها موطنا لقبيلة كبيرة معروفة هي قريش، فهو شيء لا يمكن القبول به علميا. إن روايات الإخباريين المسلمين عن مكة وماضيها لا يمكن الوثوق به مائة بالمائة كأي روايات أخرى، ولكن أيضا لا يمكن الشطب عليه بخفة وطيش تأليفي كهذا. وهذا الموقف النقدي، وغير العدمي في الوقت نفسه، هو موقف الباحث العراقي المعروف جواد علي، صاحب أهم موسوعة تاريخية وجغرافية في بابها هي " المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام".

 

وقد خصص الباحث العراقي الراحل جواد علي نصا مهما لمكة وتاريخها في الفصل الثاني والأربعين من كتابه "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام"[10]، وخلاصة ما قاله هو الآتي: إنه يتفق بانعدام أي ذكر لمكة كمدينة في العهود القديمة قبل الإسلام. ولم يرد ذكر مكة في نصوص آخر الملوك البابليين نابونائيد الكلداني، والذي أقام في مدينة تيماء وجعلها مركزا لعبادة القمر سين لأكثر من عشر سنوات، بل ورد ذكر يثرب "يثربو" شمال مكة ويبدو أن الملك لم يتقدم جنوبا في تلك المنطقة الوعرة.

 

13-ويشكك العلامة العراقي جواد علي في روايات الإخباريين الإسلاميين عن مكة وعن "عام الفيل"، ولكنه لا ينفي وجود المدينة قبل الإسلام. وهو يرجح أن يكون مكانها الحالي في بطن الوادي (حرماً آمناً يغطيه الشجر الذي انبتته السيول ورعته الطبيعة بعنايتها، ولم يكن ذا سور ولا سكن ثابت متصل بالأرض؛ بل كان سكن من يأوي إليه بيوت الخيام)[11].

 

14- ويناقش الراحل جواد علي موضوع عدم ورود اسم مكة في الكتابات الجاهلية النادرة أصلا، ويمكن تبرير ذلك بما ذكرناه عن جغرافيتها ووعورتها وقلة أهميتها كواحدة من قرى كثيرة في المنطقة. وبهذا الخصوص كتب جواد علي (ولم نتمكن من الحصول على اسم "مكة" من الكتابات الجاهلية حتى الآن. أما الموارد التأريخية المكتوبة باللغات الأعجمية، فقد جاء في كتاب منها اسم مدينة دعيت ب "مكربة" "مكربا" "Macoraba"، واسم هذا الكتاب هو "جغرافيا، للعالم اليوناني المعروف "بطلميوس" ،"Ptolemy" الذي عاش في القرن الثاني بعد الميلاد. وقد ذهب باحثون إلى أن المدينة المذكورة هي "مكة". وإذا كان هذا الرأي صحيحاً يكون "بطلميوس" أول من أشار إليها من المؤلفين، وأقدمهم بالنظر إلى يومنا هذا. ولا أستبعد مجيء يوم قد لا يكون بعيداً، ربما يعثر فيه المنقبون على اسم المدينة مطموراً تحت سطح الأرض، كما عثروا على أسماء مدن أخرى وأسماء قرى وقبائل وشعوب. ولفظة "مكربة" "Macoraba"، لفظة عربية أصابها بعض التحريف ليناسب النطق اليوناني، أصلها "مكربة" أي "مقربة" من التقريب. وقد رأينا في أثناء كلامنا على حكومة "سبأ" القديمة، أن حكامها كانوا كهاناً، أي رجال دين، حكموا الناس باسم آلهتهم. وقد كان الواحد منهم يلقب نفسه بلقب "مكرب" أي "مقرب" في لهجتنا)[12].

 

وفي الفصل نفسه من كتابه "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام"، يضيف جواد علي (وقد عرفنا من الكتابات الثمودية أسماء رجال عرفوا ب "مكي". ولم تشر تلك الكتابات إلى سبب تسمية أولئك الرجال ب "مكي". فلا ندرى اليوم، إذا كان أولئك الرجال من "مكة" أو من موضع آخر، أو من عشيرة عرفت ب "مكت" "مكة". لذلك لا نستطيع أن نقول إن لهذه التسمية صلة بمكة). وأخيرا، يلخص جواد علي رأيه فيقول (ولا أستبعد وجود صلة بين لفظة مكة ولفظة "مكربة" التي عرفنا معناها. ولا أستبعد إن يكون سكان مكة القدامى هم من أصل يماني في القديم، فقد أسس أهل اليمن مستوطنات على الطريق الممتد من اليمن إلى أعالي الحجاز، حيث حكموا أعالي الحجاز وذلك قبل الميلاد. "...".

 

وقد ذهب "دوزي" إلى إن تأريخ مكة يرتقي إلى أيام "داوود" ففي أيامه-على رأيه-أنشأ "الشمعونيون" "السمعونيون"، الكعبة. وهو يخالف بذلك رأي "غيبن" "GIBBON"، ورأي جماعة من المستشرقين رأت إن مكة لم تعرف ولم تشتهر إلا في القرن الأول قبل الميلاد، مستدلةً على ذلك بما ورد في تأريخ "ديودورس الصقلي" من وجود معبد، ذكر عنه أنه كان محجة لجميع العرب، وأن الناس كانوا يحجون إليه من أماكن مختلفة. ولم يذكر "ديودورس" اسم المعبد، ولكن هذه الجماعة من المستشرقين رأت إن هذا الوصف ينطبق على الكعبة كل الانطباق، وأن "ديودورس" قصدها بالذات)[13].

 

15-وأخيرا فهل ينكر مؤلف كتاب" تاريخ الإسلام المبكر" وجود مكة إنكارا مطلقا، أم انه ينكر أن تكون موجودة كمهد الدعوة الإسلامية؟ إذا كان ينكر وجودها مطلقا فهناك الكثير من الأحداث التي حدثت فيها بعد وفاة النبي والخلفاء الراشدين، وبعد انتقال علي بن ابي طالب منها الى الكوفة في العراق، والتي صارت عاصمة الإسلام الثانية، والأحداث الدامية التي حدثت بها - بمكة - في العهد الأموي كثورة بن الزبير سنة 73 هجرية والتي لا ينكرها الكاتب. المقصود إذن، والهدف الذي يسعى وراءه محمد آل عيسى هو قطع الصلة التاريخية بين الإسلام ومهده الجغرافي مكة، دون أن يقدم دليلا واحدا على ما يقول سوى عدم ورود اسم مكة في الآثار الأركيولوجية المعثور عليها من قبل المستشرقين الغربيين. ولكنه يسكت سكوتا مريبا عن وجودها كمركز للأحداث في سنوات لاحقة في القرن الهجري الأول. ولنسأل أنفسنا سؤالا منطقيا: إذا كان الكاتب يعترف بوجود مكة خلال ثورة ابن الزبير في سنة 73 هجري، أفلا يعني هذا أن الناس الذين كانوا أحياء في زمن هذه الثورة، ولدوا سنة الهجرة أو بعدها بقليل؟ ألا تعني هذه الحقيقة، أنهم كانوا شبابا أو فتيانا وشهودا على انطلاق الدعوة الإسلامية في مكة، ومن ثم الهجرة الى المدينة والأحداث التي جرت في سنوات الإسلام الأولى، وبعضهم ربما أغلبهم يكون قد شارك فيها أو رأى النبي وصحبه عياناً، أو حج الى مكة في تلك السنوات؟

 

أما في الكتاب المقدس - سفر المزامير وفي أشهر ترجماته الانجليزية المنشورة اليوم[14]، فنجد ذكراً صريحا لاسم مكة القديم: ( بكّة ) مرسوما بحرف B كبير (Capital letter )، دلالة على كونه اسماً من أسماء العلم للمكان، مقروناً بالتأكيد على كون بكة : ( وادياً جافاً ) وهي الإحالة القرآنية نفسها التي تقول (وادٍ غير ذي زرع). ومعروف أن لفظ "بكة" ورد في القرآن أيضا، ما يعطي قوة إضافية الى الاسم التوراتي لمكة أو بكة، وتحديدا في الآية 96 من سورة آل عمران (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ).  يتبع .

 

*كاتب عراقي.

 

[1] - Doctrina Jacobi nuper baptizati

[2] - Walter Emil Kaegi, Jr., "Initial Byzantine Reactions to the Arab Conquest", Church History, Vol. 38, No. 2 (Jun., 1969), p. 139-149, p. 139-142, quoting from Doctrina Jacobi nuper baptizati 86-87

[3] - Reeves (2003), p.3- اقتبسه محرر موسوعة المعرفة – مادتي : محمد بن عبد الله  والعصور الوسطى – نسخة رقمية على شبكة الإنترنيت.

[4] - سيرة حياة البطريرك صوفرونيوس موقع البطريركية أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس على شبكة الإنترنيت

[5] -فتوح المسلمين لبلاد الشام وأرمينيا: قراءة في مصنف المؤرخ الأرمني “سيبيوس” – مقالة بقلم الدكتور حاتم الطحاوي – موقع " عين للدراسات والبحوث السياسية والاجتماعية " على شبكة الإنترنيت.

[6] - De Haeresbius  

[7] - Hagarenes نسبة إلى الشخصية التوراتية والقرآنية هاجر زوجة النبي إبراهيم وأم النبي إسماعيل الذي تنسب إليه العرب المستعربة " العدنانيون"، في الرواية التوراتية المأسلمة.

و باليونانية ἈγαρηνοίAgarenoiسريانيةܗܓܪܝܐ Hagráyé أو ܡܗܓܪܝܐ Mhaggráyé) هو مصطلح استخدم على نطاق واسع في العصور الوسطى في اللغات السريانية واليونانية القبطية و الأرمنية وذلك لوصف أوائل العرب الفاتحين لبلاد ما بين النهرين وسوريا ومصر.

واستخدم الاسم في السجلات المسيحية والأدب البيزنطي لوصف "العرب الحنفاء"، ولاحقاً، لوصف القوات العربية الإسلامية كمرادف للمصطلح "ساراكينوس". في السريانية يمكن أن يكون المصطلح "Hagraye" ترجمة لجملة "أتباع أو نسل هاجر",، في حين يمكن أن تكون صيغة "Mhaggraye" ذات صلة بالكلمة العربية "المهاجرون"، وقد لا تكون، وبعض العلماء يفترضون أن المصطلح ليس له أصل مسيحي.

 

[8] - Islamic Education and Research Academy

[9] - المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام" ص 400 نسخة رقمية.

[10] -  صدرت الموسوعة باسم " تاريخ العرب قبل الإسلام (ثمانية مجلدات)، أصدرها المجمع العلمي العراقي بين سنتي 1956-1960. ثم صدرت موسعة باسم " المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام" (عشرة مجلدات)، وطبعت في بيروت بين سنتي 1968-1974. ونحن هنا نعتمد "المفصل من تاريخ العرب قبل الإسلام" ص وما بعدها 400–نسخة رقمية -جواد علي. وقد أصبحت هذه الموسوعة الفريدة من نوعها منهلا لا غنى عنه لجميع من كتب وسيكتب عن العرب قبل الإسلام.

[11] - المصدر السابق – ص 401 -

[12] - المصدر السابق.

[13] - ص 402 –م.س.

[14] - رابط صفحة تفسير الكتاب المقدس باللغة الإنكليزية.

http://biblehub.com/psalms/84-6.htm

المصدر: