رأي

كيف يتظاهر ويعبر العراقيون عن مطالبهم؟

كيف يتظاهر ويعبر العراقيون عن مطالبهم؟

محمد عايش عبداللطيف الكبيسي

ما أسرع التظاهرة في العراق؟ عندما يحين وقتها تتجمع الحشود الجماهيرية من غير سابق إنذار ويتراكض الجميع نحو أهداف مخزونة مسبقاً في عقولهم. في كل مرة نقول انها حاسمة وانهم قد يحققون مطالبهم ويجبرون الحكومة على الانصياع، وفي كل مرة نقول انهم سيرمون الفاسدين في حاوية القمامة ويسدلون الستار على أقبح فترة تاريخية يمر بها العراق الحديث منذ تأسيسه.

 

للاسف عندما تنطلق التظاهرة الجماهيرية وتقترب من أهدافها، يفاجأ الجميع بسرعة اختفائها، حالة غير واضحة توحي بأن المتظاهرين يعتقدون أن مجرد وصولهم عقر دار خصومهم من السياسين أصحاب القرار يكفي لإيصال الرسالة وحل المشاكل المتراكمة التي خرجوا من إجلها.

 

معظم التظاهرات التي خرجت بعد عام 2003 كانت من اجل انتزاع حقوق كفلها الدستور العراقي، واهم سمة من سماتها على مدى السنوات الخمسة عشر الماضية انها تحمل شعارات ومطالب حقيقية، لكنها في نفس الوقت كانت تعاني من التضليل والتسيييس، وعاجزة عن اصلاح الحكومات والمجتمعات والدليل إن الواقع العراقي مازال يتدحرج نحو الأسوأ منذ عام 2003 لغاية اليوم.

 

حدثت تظاهرات واحتجاجات كبيرة في العراق، لو كانت في غير بلد لأطاحت بحكومات وانتزعت حقوق مطالبيها، لكنها غالباً ما تنتهي بضبابية، او تنتهي بمأسٍ وحروب وأزمات نزوح، بعضها يتم إيقافها لانتفاء الحاجة للتظاهر أو لإنها اصبحت تؤثر على من أججها أو كما يقال (كلمة حق اريد بها باطل)، وانهم استغلوا الحشد الجماهيري لإيصال رسالة ما الى خصومهم وانتهى الأمر ولا يريدون لها ان تستمر وتحقق اهدافها ، خوفاً من احراق مكتسباتهم ومصالحهم التي شيدوها على مدى سنين الفساد.

 

اذن السؤال الكبير والعريض هو من يقود التظاهرات الكبيرة؟ وكيف  تدار ثورة الجياع والعاطلين والمهمشين والمضطهدين؟

 

الجواب نستطيع ان نستخلصه مما حدث في الاعتصامات السنية قبل اربعة سنوات اومظاهرات ساحة التحرير في بغداد، والانتفاضات الصيفية التي غالباً ما تندلع مع ارتفاع درجات الحرارة.. إن ما حدث في الانبار والمحافظات السنية يدمي القلب، حشود هائلة تقطع خط السريع الدولي في ساحة خارجية بعيدة عن منشآت المدن والمناطق الحيوية، وتتمكن في اول ايامها من تشكيل لجان جماهيرية وسياسية وثقافية وترسل مطالب إلى الحكومة ومن ثم تُخترق الاعتصامات من قبل جماعات إرهابية تفرض نفسها بالقوة وتُشيطن وتتلاعب بمخرجات الساحات. مظاهرات واعتصامات خرجت من أيدي مؤججيها ومحرضيها وانحرفت نحو استخدام السلاح واحتلال المدن وسيطرة الارهاب عليها. نموذج مهم يرسم صورة انحراف التظاهر السلمي، يجب ان يكون حاضراً في مخيلة من يريد التظاهر السلمي.

 

ومن ثم تظاهرات ساحة التحرير التي راح ضحيتها العديد من الناشطيين المدنيين الاحرار، استمرت هذه التظاهرات لفترة طويلة، انضمَ إليها أطياف مختلفة، وصلت ذروتها بدخولهم المنطقة الخضراء وساحة الإحتفالات وهروب سياسيي السلطة التشريعية والتنفيذية منها وجلوس المتظاهرين على مقاعد النواب ومقاعد مجلس الوزراء في اشارة رمزية على تفاهة السلطة الحاكمة وضعف رصيدها الاخلاقي والاجتماعي والامني. من يشاهد المشهد في ساعاته الاولى يظن ان هذا الحدث سيؤدي الى تغيير جذري في سياسة الحكومة والمؤسسات الحكومية الاخرى، لكن لا شيء يتغير وتفقد التظاهرات بريقها وتعود ادراجها بصفر اليدين . إذن لماذا خرجتم وتظاهرتم ! اين نتائج التضحيات؟

 

ولا ننسى مظاهرات الجنوب التي غالباً ما تحدث مع ارتفاع درجات الحرارة في الصيف، وكأنهم يؤثرون القضايا الاخرى للدولة ويؤجلون الاحتجاج عليها حتى يبدأ موسم الحر وانتكاس منظومة الكهرباء في مدنهم وقراهم، وان سوء التعليم والفقر وغياب السياسات الاقتصادية والاجتماعية وغيرها من القضايا الاجتماعية المهمة  ليس لها جانب مؤثر يدعو للتظاهر من أجلها مباشرةً، لكنها غالباً ما تأتي في ملحق ثانوي مرفق مع ملف الكهرباء الساخن.

 

الواضح مما ذكر اعلاه أن الحكومات المتعاقبة في العراق فشلت في الاستجابة لاي تظاهرة حدثت في العراق، أو يمكن القول إن المتظاهرين والمحتجين فشلوا في إيصال مطالبهم الى الحكومة وإرغامها على إيجاد حلول جذرية. ويمكن الاستدلال على أن ضعف تركيز المتظاهرين وضياع البوصلة القيادية لديهم افقدهم فرص متاحة وفتح المجال للحكومات للتعامل معهم بطريقة الحلول الترقيعية.

 

[email protected]

  

 

مقالات أخرى للكاتب