قصة قصيرة: بتهوفن يبيع أسطوانات الغاز

تاريخ النشر 2018-08-03 00:39:46 أخر تحديث 2018-11-06 18:25:02 قصة قصيرة: بتهوفن يبيع أسطوانات الغاز

سطع نور نهار آيار ذهبياً مشرقاً من سراج شمس قوية، ألمح تساقط الضوء الأشقر على بيوت محلتنا العتيقة، سقوط أول أشعة شمس صبيحة الأول من آيار جعل لون الدور السكنية ذات الطابوق  الجمهوري أصفرَ محاطاً بهالة من القدم، وسط زقاقنا الضيق الزاهية حدائق منازله بأشجار السدر ومن على جانبيه تقف شامخة أشجار اليوكالبتوس ساكنة في هذا الصباح الساكن، أجلس تحت ظلالها الباردة المنعشة، تحف بي زقزقات العصافير تتداخل مع موسيقى عذبة تقترب نحوي من أول الزقاق، وسط زقاقنا الضيق تسير فوق أسفلته الأسود اللامع عربة خشبية يجرها حمار أبيض اللون محملة بأسطوانات غاز قديمة متسخة  بلون رصاصي قاتم، تصدر عنها  أصداء موسيقى بتهوفن تعلو كلما اقتربت من دارنا يقودها شاب يرتدي ملابس رياضية في نهاية العقد الثالث من عمره يجلس فوق أحدى الأسطوانات واضعاً حاسوبه الشخصي فوق ركبتيه ينادي بين فواصل موسيقى بتهوفن سبع مرات :

 كانت الشمس ساخنة، وبضع غيوم متفرقة تسود السماء الزرقاء، سماء لم أر مثل صفائها أبداً، بدت الشمس شقراء لا حد لجمالها تملأ سماء المدينة بشقرة مغرية، أوراق الأشجار مبتلة بندى الصباح، وأوراق سعف النخيل مشبعة ببخار الماء المتصاعد على أشعة شمس لا حد لجمالها، لونها الأخضر الأثيري مذهل، ما أثار استغرابي وتساؤلي عما يحدث بوصفه أمراً غريباً لم أعهد سماعه من قبل كوني اعتدت على نغمة محددة أصبحت بمثابة إعلان عن وصول بائع اسطوانات الغاز منذ زمن طويل، قلت في دهشة :

 هدوء ناضج ترسله معزوفة بتهوفن، ببطء، ببرودة، بقشعريرة، بشكل متواتر ومتواز، وما بينهما يصيح بصوت نشيط سبع مرات غاز، وصل إلي، بادرني بصوت له وقع محبب :

 أجبته بالنفي  بحركة من رأسي ، سألته بحزم ومهابة :

كأنه يقول لحبيبته معلناً عن حبه لها بكلمة  : أحبك، بكلمة واحدة أجاب بنبرة حالمة :

كان مزاجه رائقاً، تلألأت ابتسامة عذبة على شفتيه المكتنزتين ليشرق وجهه بفرح طفولي قل نظيره، علقت بصوت ناعم وعميق :

كان الوقت ضحى، شمس الضحى ساطعة، هادئة أوراق أشجار السدرة واليوكالبتوس تحمل عصافير مزقزقة لاهية بنشاط ومرح عاليين، وسعف النخيل يستريح فوق جذوعه، روحي متعبة لا تهدأ، شعرت بتعبها من نزول قطرات عرق قليلة راحت تقطر من جبيني، هواء صباحي جاف ينذر بشمس صيف حار، أبدى خجلاً وتردداً واضحين، عبرت عنه عيناه الخجلتان، قال بصوت ناعم فيه من الوحشة والشجن الشيء الكثير :

عيناه الحالمتان الزاخرتان لهباً يمطرهما دموعاً، أسأله بصوت خافت وعيناه في ذروة لهيبهما الحالم :

مثل ناي حزين جاء صوته حزيناً :

الصباحات تزف نبوءة تفسير حلم الناي الحزين لمدينتي التي كانت جميلة، زاهية خضرة أوراق أشجارها وسعف نخيلها، وردها الجوري يضحك لنا بعطره الطيب، نجد أنفسنا ومدينتنا مسورين بجدران أسمنتية قاسية، وناياتنا الحزينات يبكين حياتنا الجميلة، يوم كنا بعد صبية صغار، علقت بمشقة :

لون عينيه مثل لون النحاس المحترق يخفي تحته زلزال حزنه، وزلزال حزنه يشعل الموسيقى في روحه والموسيقى تشعل النهار في ليل عينيه وعيناه بلون ليل بلاد الرافدين الحزين، أرفع رأسي  عصياً مثل رأس ثور قيثارة أور، أخبره بعد أن توجه لي بنظرة بين اللوم والحنان وهو يسحب نفساً عميقاً، ويتحسر بشدة، وبدا لي صوته حزيناً :

مرت لحظات سكون منحتنا الاستماع لهمس نظراتنا الطويلة المندهشة كأننا نعيش حالة غرق، كانت عيناي عيني غريق، وكانت عيناه حازمتين قال بحزم مثل قائد عسكري :

تلك اللحظة رأيته قوياً وحائراً وحزيناً معاً مثل كمان. لم يك يرغب بالتحدث، ولم يك قادراً على الصمت، من جديد غرقنا في لجة الصمت، في تلك اللحظة قال وقد خرج صوته مغيظاً حانقاً :

سألته في محاولة مني لأعتذر منه ولتوضيح الأمر، وأنا أبتسم له ابتسامة عريضة :

استطردت :

قال :

سألته :

أتخذ وجهه سيماء جادة أقرب إلى الصرامة حين وجهت سؤالي إليه ليفسر لي لم يبيع قناني الغاز على أنغام موسيقى " لودفيغ فان بيتهوفن "، رد عليَّ بكلمات تامات صادقات بعد أن رمقني بنظرة غريبة إلتمعت في عينية اللوزيتين المغمستين بضوء شمس قاسية، قال بصوت مبحوح يشبه الهمس :

خضرة حديقتنا في هذا الصباح فياضة، ناصعة، ومتنوعة، ابتسمت وتطلعت إليه بمكر جميل، وبعد قليل سألته بلهجة حزينة :

أجاب بأسى فتهدج صوته  :

استغربت من مفارقات حياتنا، سألته بصوت هش مخنوق :

أستغرب من سؤالي، خلال ثوان سألني بكلمات لم تقلها الدنيا كلها  :

حزنت لأن بلدي ليس فيه فرق بين حياتنا وموتنا، وصمتُّ كسيراً لأن كل شيء فيه يعني الموت، أصبحت روحي مثل فراشة لائبة تحوم حول ضوء شمعة، حين رفعت رأسي، نظرت إليه، كانت دمعة صغيرة بلون الماء الصافي تنزلق على وجنته اليمنى، مسحها بسرعة، ليمتد بيننا صمتٌ قصيرٌ يافعٌ موجعٌ، لم يطل صمتنا خلالها كنت أرقب عينيه الطيبتين القلقتين، وحالما التقت نظراتنا، لم أجب، نظرت إليه، ابتسمت ابتسامة صغيرة، تابع يقول :

رفعت رأسي حزيناً، كان يتحدث إلي بهمة وصدق، أستطرد قائلاً بحيرة وهو يشير بيده اليسرى :

ابتسمت له بحزن، وحين رأى ابتسامتي التي كانت أقرب إلى العطف منها إلى المجاملة،  تابع يحدثني بصدق :

سرحت بعيداً وهو يحدثني عن موسيقاه :

صباح صيفي من صباحات آيار، شمسه تستدير في سماء غير بعيدة يلتمع ضوؤها فضياً حاداً صريحاً، وأنا أراقب جلالها الواضح تعجبت من قوة هذا الإنسان وقدرته على التحمل، ابتسمت بحزن، كنت أحس في عينيه الدفء والحنان، أردفته بسؤال آخر :

رفع إلي عينين مكتضتين باللوم لا يمكن لأي كلمة في الكون أن تقوله أو أن تعبر عنه، كانت نظرته نظرة انتصار، وابتسامة النصر تفترش وجهه، أجاب بصوت جاف لا يخلو من حنان وحزن ونصر :

حاولت مقاطعته، لكنه، أشار بيده اليمنى :

أكمل مبتسماً :

أكمل فرحاً وهو يشير إلى نفسه بيده اليمنى :

أستطرد حاكياً :

 طازجة، يانعة، حانية، ورقيقة ثمار أشجار سدرة الجيران، لها رائحة ومنظر شهي تروج له الشمس في عيني عنوة، فاجأني حديثه الممزوج بالمتعة، وقال ما لا يمكن أن يقوله أي شيء على هذه الأرض  :

نظرت إليه نظرة خاطفة متسائلة، أشرق معها وجهه، جاءني صوته فرحاً :

 أكمل حديثه ثابتاً مستقراً، عيناه شديدتا اللمعان، وضوؤه يملأ روحي مسرة :

عيناه تتكلمان، حديثهما جذاب مشوق، أقرأ فيهما حبه للموسيقى وحزنه وقلقه الكبيرين عليها، وجدت فرحه بحبه للموسيقى  متجسداً في حركات أصابع يديه الطويلتين الرفيعتين السمراوين، سألته مبتسماً، وأنا أحرص على رسم ابتسامة أجمل من ابتسامته  :

أجاب بفخر :

شمس آيار ارتدت شالها الأصفر، أنغام حفيف حرير ضوئها تسيل منسابة من أوتار خصلات شعرها الأشقر، أنستني ابتسامتي على شفتي، قاطعته مشاكساً :

ألتمع ضوء خيبة فضي حاد صريح في عينيه يكشف عن وجوده القاسي بقسوة، فاجأته وأنا أحرك ساكناً بقولي له :

كان متعباً وغريباً ووحيداً كأنه قد سقطت على قدمه قنينة غاز، شفتاه تواقتان لأن تردا علي إلا أنني لم أمنحه حق الرد، وأنا أقابله بابتسامة مبتسرة مغمغماً :

أشقر جليل ضوء الشمس، وأخضر هادئ لون ورق الأشجار، وأرجواني نابض بالعنفوان والتحدي لون وجهه، ورائحة ثمار النبق تشرق في الفم حلاوة لاذعة، نظرت إليه نظرة تومض بالمحبة حيث استطردت قائلاً :

 سحب لجام حماره وحثه على التحرك، ثمة غيمات باهتات يتراكضن في سماء بيضاء صافية، سألته بحياد بارد :

أبتسم وكأنه أعتاد الحزن والجوع والفقر والحرمان، وأجاب مسروراً مؤمناً بقوة بقدرهِ :

تركني بعد أن أطلق عنان حماره، رفع صوت موسيقى بتهوفن، دموعي تنهمر فضية ممزوجة بالحسرة والخوف، بكيت، تركني وحيداً، صرت لا أعرف كيف أميز بين دموعي وموسيقى بتهوفن وهو ينادي بشجاعة وقوة :

 

 

الناصرية ظهر يوم الخميس الموافق 18 تموز 2018  م

المصدر: