المشهد السياسي و(لعبة الحية والدرج)

تاريخ النشر 2018-08-09 17:20:15 أخر تحديث 2018-08-17 13:55:29 المشهد السياسي و(لعبة الحية والدرج)

منذ طفولتي كنت أمقت لعبة (الحيّة والدرج)، وكنت أخالها ضرباً من الخيال, وأمقتها ظانّاً عدم واقعيتها، وأنّه لا يوجد على الأرض مصداقٌ لها، فهي لعبة تضيع فيها الجهود، وتتجمّد عندها العقول، بيد اني وجدتها في لعبة تشكيل (الحكومة العراقية الديمقراطية), التي صاغ الطرف الخارجي لحمتها وسداها بما يمكّنه من التسلل إلى أعماقها مسيّراً لها تارة، وحارفاً لبوصلتها بالاتجاهات التي يريد تارة أخرى والمواطن (المكرود)، وأقصد به المواطن المظلوم الذي شارك في الانتخابات فهو مشدود الأعصاب ويتابع هذه اللعبة بفارغ الصبر، ريثما يتمّ في كُلّ دورةٍ انتخابية شيءٌ من فتات الخدمات, أو يبقى الجمهور (المكرود) لاطماً نائحاً صائحاً متظاهراً خلال أربع سنوات قادمة (يعيش... يا)، و(يسقط... يا)، ثمّ تأتي الانتخابات، وتأتي ذات الأشكال، ونفس الاشكاليات، وهكذا هي تلك اللعبة تتكرر بين الجمهور والسياسيين بعد تشكيل الحكومة، بعدما فعلت فعلتها بين الكتل السياسية إبان تشكيل الحكومة.

 

واليوم تتطوّر وتتسارع الأحداث، وبين المعلن والخفّي مساحاتٌ كبيرةٌ، كتلك المساحات بين الكتل السياسية تباعداً, وفي هذه المرحلة تبرز في هذه اللعبة متغيّرات جديدة، وهي:

 

(أوّلاً) في الجانب الكردي:

 

فإنّ الأكراد يعلنون من خلال ناطقهم (تحسين نامق) مسؤول العلاقات الخارجية في الاتحاد الوطني الكردستاني بتاريخ 6-8-2018 - بأنّهم لا يلتزمون بالتحالف مع أيّ طرفٍ، ولا يوجد لديهم (فيتو) أيضا على أيّ طرفٍ، وهم مع مَنْ يؤمّنُ لهم شروطَهم التي اشترطوها، وهذا إعلانٌ جديدٌ لمن يراقب المتغيّرات بقوّةٍ، وتلك عقبةٌ جديةٌ في وجه التحالفات الشيعية، تجعلها مرغمةً بالقبول للشروط الكردية, وتجعل الآمال التي قالها البعض بأنّهم قاب قوسين أو أدنى من الإعلان عن تشكيل الكتلة الأكبر ؛ قد وصلت إلى مربع الصفر في لعبة الحية والدرج ما لم يستجيبوا أو يتفاهموا أو يتفهّموا مطالب الكُرد .

 

(ثانياً) في الجانب السنّي توجد انشطاراتٌ واسعةٌ بين خطوط ثلاث:

 

خطّ الكربولي، وأبو مازن، وآخرين .

خطّ القرار، والوطنية، وآخرين.

خطّ الحلبوسي، ونينوى، وآخرين .

 

وتكاد التحالفات السنّية تكون متقاربة، ممّا يعقّدُ وصول أيّ تحالفٍ شيعيّ إلى إعلان تشكيل الحكومة ، فتبتلع الأفعى تلك الجهود التي بُذلت من الطرف الشيعي، لا سيّما أنّ الجميع لا يهمّه أيّ تحالف ينتمي إليه بقدر ما يهمّه الانتماء لمن يوفّر له مصالحه, فالملاك المصالح والمناصب، وخصوصاً منصب رئيس مجلس النواب بالنسبة المكون السني .

 

ولا ننسي في البين اللّاعب الدولي والإقليمي ومؤثّراته، ومن يدقق فيها يدرك إلى أين تسير البوصلة بين جناحي (العباديّ، وسائرون، والحكمة) أو جناح (المالكي، والفتح وبعض النصر).

 

(ثالثاً). الجانب الشيعي:

 

وهو - مع كثرة ما قيل ويقال عن منجزات في التحالفات - بيد أنّ الموقف ما زال متجمّداً على محورين (العبادي وحلفائه) من طرف، و(المالكي وحلفائه) من طرف آخر، إلّا أنّ لعبة (الحية والدرج) تكاد ترسم طريقها بقوّة في الحوار الشيعي، ففي الوقت الذي يعلن فيه المالكي عن القرب من إعلان الكتلة الكبرى, يعلن محور العبادي على لسان سائرون أنّ الاجتماع بين (الحكمة والنصر وسائرون) سينعقدُ وشيكاً.

 

ويبدو أنّ الجمع بين الأطراف الشيعية في خيار (الخماسي) لم تتضح صورته بعدُ, وما كاد ينضج حتّى تبتلعه الأحداث في تلك اللّعبة الشيعية بفعل المناصب، وخصوصاً منصب رئيس الوزراء، فضلاً عن المؤثّرات الخارجية، وتأثيرات الداخل، بالاضافة الى دخول متغير تماسك نصر أكثر بإعلان الفياض عن تخليه عن فكرة ان يترشح لمنصب رئيس الوزراء، وإعلانه أن المرشح الأوحد هو العبادي.

 

(رابعاً) الملاحظات:

 

1/ إنّ التغيّر في المشهد الكردي، وإعلانه الجديد بأنّهم لا يوجد لهم حليفٌ محددٌ إلّا مَنْ يتفق معهم على شروطهم ناشيءٌ من مؤثّر خارجي، وأنّ المبعوث الأمريكي (ماكيغورك) كان حاضراً في المنطقة بقوّةٍ، ومراقباً للمشهد، ومؤثّراً عليه وموجّهاً له، ممّا أثّر في القرار الكردي، وما الاعلان الأخير إلا إحدى نتاجاته خصوصاً أنّهم وجدوا أنّ الموقف الشيعي لا يمكن أنْ يكون موحّداً، لذا اختاروا اللّعب على (الحبلين) .

 

2/ المشهد السنّي - بعد مؤتمر أنقرة والأُردن برعاية السبهان فضلا عن الخلافات المستحكمة بينهم - لم يتضح صورته الأخيرة، إلا مجاميع ثلاث، وقد تكون اثنين في الأخير، فهي تترقّب الراجح من التحالفات الشيعية، لتقفز في زورقه سعياً وراء اللّقمة الكبرى.وهكذا تتكرر لعبة "الحية ودرج" والتي تتكرر مرتين مرة بين السياسيين عند تشكيل الحكومة وتارة أخرى بين السياسيين والجمهور بعد تشكيلها.

 

المصدر: