العراق ودعوات كسر الحظر على إيران

تاريخ النشر 2018-08-09 19:22:34 أخر تحديث 2018-12-05 17:17:07 العراق ودعوات كسر الحظر على إيران

مع بدء سريان الدفعة الأولى من العقوبات الاقتصادية الأميركية ضد طهران، المرافقة لانهيار "الريال" الايراني الى مديات غير مسبوقة، انهالت كمية كبيرة من التعاطف الشعبي والرسمي العراقي مع شعب الجارة الشرقية في محنته الاقتصادية، وهذا أمر طبيعي جدا لأنه شعور إنساني، لاسيما من قبل شعب ذاق الأمرين جراء عقوبات دولية أشد صرامة، فتكت بكل مفاصل الحياة لديه، ولكن المفاجئ هو انتقاد موقف العراق الرسمي من الالتزام بالعقوبات، والدعوات الى كسر تلك العقوبات منذ يومها الاول، ولمناقشة الموقف الوطني من هذه العقوبات، لابد من فهم مبررات تلك الدعوات، وفهم موقف الحكومة منها على حد سواء.

 

مبررات كسر العقوبات:

1 - ان ايران وقفت مع العراق في محنته ضد تنظيم داعش الارهابي، وفتحت مخازن أسلحتها وتبرعت له بالمستشارين العسكريين.

2 - ساعدت العراق في العقوبات الدولية في فترة التسعينيات.

3 - الموقف الانساني والديني يحتم علينا الوقوف مع الشعب الايراني.

 

اللافت في هذه المبررات أنها لم تلتفت الى المصالح العراقية المتوخاة من جراء عدم الالتزام بهذه العقوبات، كما أنها اعتمدت على مغالطات غير صحيحة أبدا، انطلاقا من النقاط التالية:

 

1 – إيران وقفت مع العراق، دفاعا عن نفسها من احتمال تمدد التنظيم الارهابي الى اراضيها، خصوصا وأنه وصل الى الحدود الايرانية، وهدد مصالحها في العراق شمالا وجنوبا، كما ان مبالغة البعض في اسناد الدور الأكبر لايران في تحرير الأراضي العراقية مغالطة كبيرة أغفلت دور الجيش العراقي والقوات الأمنية والمرجعية الدينية وتضحيات الشعب العراقي.

 

2 - فتح ايران لمخازنها أمام العراقيين، لم يكن مجانا، بل بشهادة قادة عسكريين مختصين تحدثت اليهم أكدوا أنها قبضت ثلاثة أضعاف الثمن الحقيقي.

 

3 – معظم الداعين لكسر العقوبات الامريكية يؤكدون أن تنظيم داعش صناعة أميركية تركية خليجية، وبناء على ذلك، فلولا إيران ومشروعها في المنطقة الذي وقفت ضده الولايات المتحدة والدول "السنية" (إنشاء خط بري يمتد الى ضفاف البحر المتوسط في لبنان، مرورا بالعراق وسوريا)، لما كان لداعش وجود ولا نشاط في المنطقة، وبذلك فان مكافحة ايران للتنظيم ليست منة منها بل جزء يسير من واجبها تجاه العراق الذي تحول الى ساحة صراع لها وللدول المذكورة أعلاه.

 

4 – وقوف ايران الى جانب عراق صدام في تسعينيات القرن الماضي، لم يكن وقوفا معنويا أو تضامنيا بالمعنى الانساني، بل كان مستندا الى مصالح سياسية واقتصادية معروفة، بدأت بمقايضة صدام مرة أخرى على نصف شط العرب الذي منحه لها صدام بطريقة غير شرعية، والى مهارتها باستدراجه في هبوط الطائرات العراقية كوديعة لكنها رفضت إعادتها بعد ذلك، أضف الى ذلك أن موقفها المعادي لسياسات الولايات المتحدة في المنطقة جعلها تقترب من نظام صدام سياسيا واقتصاديا وحتى أمنيا، وتمكنت بدهاء سياسي منذ ذلك الحين، بتحويل العراق الى ورقة للمناورة.

 

5 – وبخصوص الموقف الانساني والديني، فهو مبرر مقنع الى حد كبير، لكن أبرز شروطه هوعدم تعريض الوطن والشعب الى الضرر، خصوصا وأن المصالح السياسية والاقتصادية هي التي وقفت وراء معظم مواقف ايران السابقة، وهذا شيء طبيعي.

 

أما مبررات الحكومة في الالتزام بعدم كسر العقوبات فيعود الى أن ذلك سيؤدي الى:

 

1 – منع العراق من تصدير نفطه.

٢ – إلغاء جميع الاتفاقات مع البنك الدولي.

٣ – إيقاف تعامل المصارف العراقية مع نظيراتها الدولية.

٤ - لن يسمح للعراق باستيراد أية مكائن أو معدات ثقيلة.

5 – العراق ليس في موقف معادٍ للولايات المتحدة كما هو الحال مع ايران.

 

وانطلاقا من عدم قدرة العراق على مواجهة مثل تلك الأمور لأسباب معروفة أبرزها عدم امتلاكه استقرارا اقتصاديا أو وضعا سياسيا مريحا، فان الدعوات لكسر العقوبات تصبح ضربا من الجنون والمغامرة الخاسرة، ولا أظن أن عراقيا مهتما بمصالح شعبه ووطنه سيفكر خلاف ذلك، لأنه ببساطة سوف يرى خلال شهور مدنه التي لم تتعاف بعد من اثار الحروب والعقوبات بلا كهرباء ولا ماء، وستشتد أزمة تأمين الرواتب، وانحسار المواد الغذائية.

 

بعد هذا كله وبعد العنتريات التي أذاقنا نظام صدام حسين مرارتها ولم نجن منها الا الفقر والخراب، لماذا ينوي البعض زج العراق في خصومة جزافية جديدة مع الولايات المتحدة، من أجل مصلحة بلد اخر، والدوس على مصالحنا، رغم علمنا بأننا الخاصرة الرخوة في كل ذلك؟ فاذا كانت ايران قادرة على الصمود ويمكنها ان تكفي شعبها لسنوات، فان العراق لا يملك أية مقومات لهذا النوع من الصمود.

 

 

المصدر: