الاستقرار والحكم والتحديات الاجتماعية والاقتصادية في العراق

تاريخ النشر 2018-08-12 00:08:06 أخر تحديث 2018-09-19 00:28:46 الاستقرار والحكم والتحديات الاجتماعية والاقتصادية في العراق

(المقال هو نبذة قدمها الكاتب لتقريره الذي تنفرد (العالم الجديد) بنشر ترجمته العربية اليوم ويتناول التحديات الاجتماعية-الاقتصادية وقضايا إدارة الدولة)
 

بسبب سنوات طويلة من الحروب الخارجية والداخلية وعدم الاستقرار، وتراجع أسعار النفط، مع استشراء الفساد والمحسوبية والزبائنية وغياب الكفاءة، فان الازمة الاجتماعية-الاقتصادية في العراق تزداد عمقاً وستنعكس على الاستقرار السياسي وعلى علاقة الدولة بالمجتمع مالم تجر اصلاحات بنيوية رئيسية.
تتمثل أحدى الإشكاليات في ان الدولة في العراق غادرت دورها السابق كمؤسسة مسؤولة عن تنمية وتحديث المجتمع (وهي الأيديولوجيا التي هيمنت على فهم دور الدولة على الأقل منذ منتصف القرن العشرين)، وأصبحت، تحديداً بعد عام ٢٠٠٣ ، مرتعاً لسياسات الهوية وتمثيل الاثنيات والطوائف، لم تعد الدولة مكلفة بمسؤولية رعاية تقدم المجتمع، لأنه لم يعد هنالك معنى للتقدم أصلاً (او ان الفهم الاستهلاكوي للتقدم هو الذي صار سائداً)، بل صارت فضاءاً تتمثل فيه هويات وصراعات الاثنيات والطوائف. أحد نتائج ذلك، هو بناء قطاع عام متضخم لا حاجة حقيقية له سوى توفير فرص زبائنية للقوى الحزبية المتنفذة في كل جماعة أثنية وطائفية، وصار التعيين مكافأة على الولاء او لتوسيع شبكات المحسوبية لتلك الأطراف بدلاً من أن يستند على الكفاءة الفعلية والإمكانيات والحاجة الحقيقية للوظيفة. عمّق ذلك من فشل الدولة وقدرتها على إدارة الحاجات الاجتماعية. وامام ضعف القطاع الخاص وهيمنة الاقتصاد غير الرسمي، صارت الوظيفة الحكومية هي الضمان الوحيد الذي يتطلع له المواطنون-وتحديداً الشباب- خصوصاً انها تأتي غالباً غير مقرونة بواجبات ومسؤوليات كبيرة وتقدم تقاعداً مريحاً نسبياً. وهذا الاقبال على الوظيفة الحكومية تنامى مع التآكل التدريجي للزراعة بسبب شحة المياه والإهمال وهيمنة الريع النفطي، وغياب الصناعة بسبب غياب الكفاءة والبنية التحتية اللازمة لها، وصارت وظيفة الدولة (اللا وظيفة) هي الملجأ الأساسي. 

 

إن اضفنا لذلك النمو الديموغرافي الكبير بسبب غياب سياسات تنظيم الاسرة (غالباً لأسباب أيديولوجية وثقافية)، وفي مجتمع يسجل أحد أعلى معدلات النمو السكاني في العالم، فأن نسبة الشباب في تصاعد سريع، في الوقت الذي لا تتوافر فرص اقتصادية لاستيعابهم، مما يعمق من السخط لديهم ويدفعهم الى تبني خيارات راديكالية. 
 

تكفل الفساد وعدم الكفاءة والإدارة المافيوية للموارد، وغياب الفاصل بين الرسمي وغير الرسمي، بإهدار موارد هائلة كان يمكنها ان تمنع تفاقم الازمة، وتتعامل مع قضايا ذات أثر بعيد المدى مثل شحة المياه والتغير المناخي (يمكن القول ان جنوب العراق يفقد أهليته كمكان ملائم للاستيطان البشري)، فضلاً عن قضايا أبسط مثل تجهيز الكهرباء وتحسين قطاع النقل وتطوير الإدارة الالكترونية وتنظيم الفضاء الحضري (العراق قد يكون واحد من بلدان قليلة تفتقر لنظام بريدي بأدنى حد من الكفاءة). لابد من القول ايضاً، ان الثقافة المجتمعية أسهمت ايضاً بتعميق بعض هذه الازمات كما هو الحال مع تدمير ما تبقى من مناطق خضراء وسوء استخدام الموارد المائية ومقاومة تنظيم استهلاك الكهرباء.


ان العراق يراوح بين النموذج التشافيزي (دولة المعونات والمنح الغارقة بالفقر) وبين نموذج بعض دول أمريكا الوسطى (الدول الهشة التي تتنازعها المافيات والعصابات، حيث العنف هو نشاط رئيسي لانتزاع الريع). بدون إعادة نظر جوهرية بدور الدولة ووظيفتها وإعادة هيكلتها، بما في ذلك إعادة تنظيم علاقتها بالمجتمع، فمن المتوقع ان تتفاقم الأزمة أكثر، خصوصاً ان الطلب الاجتماعي بات (مع تراجع أسعار النفط ونتيجة للنمو الديموغرافي غير المنظم والانهيار البيئي وما يصاحبه من هجرة) يتجاوز قدرة الدولة ومؤسساتها على تلبيته.. والاحتمال الراجح، انه مع تنامي السخط الاجتماعي والنزعات الراديكالية تصبح الدولة أكثر عنفاً وميلاً للقمع وبالتالي انغلاقا على نفسها وعلى الفئات المسيطرة عليه، مما يعمق من ازمة الشرعية لديها، وهو ما رأينا بعض مظاهره في أحداث الأيام الأخيرة، ولكن بنفس الوقت، فان هشاشة هذه الدولة وعدم احتكارها للعنف الشرعي، قد يفضي الى حال لا يقل خطورة، أي مزيد من التشرذم الداخلي والصراع بين الجماعات المنغلقة (ميليشيات، عشائر، منظمات إجرامية)، بشكل يدمر ما تبقى من الفضاء العمومي وإمكانية الإصلاح. 
ليس المخرج في التخلي عن دور الدولة (كما يفترض دعاة اللبرلة الاقتصادية) لأن ذلك غير ممكن في بلد ريعي تسيطر الدولة -نظرياً على الأقل – على معظم موارده، بل في إعادة انتاج فكرة الدولة التنموية ولكن بعد تحريرها من الشعبوية ونماذج الاقتصاد الأوامري المركزي، ومن السياسات الغنائمية المستندة على الهوية والحزبية.

المصدر: