بانوراما الانسحابات والايزيدية هم الضحية

تاريخ النشر 2018-08-12 03:30:02 أخر تحديث 2018-09-19 12:49:01 بانوراما الانسحابات والايزيدية هم الضحية

ربما قدر الشعب الايزيدي في العراق هكذا، ان يفقد الثقة بالجميع وان لا يأتمن لاحد، فكل من يرحب به الايزيدي يتركه وحده ويرحل لأغراض سياسية او مصالح معينة، لا يهمه أن يترك عرضة لداعش او يتركه بلا مأوى أو طعام أو ملبس في جبل او صحراء، في عضون الـ15 سنة ماضية، تحول الايزيدي الى سلعة رخيصة بيد جميع العراقيين، حتى فقد الايزيدي الثقة بالسنة والكرد والشيعة، لم يحتووه كانسان ولم يعطوه ربع قيمته كبشر، فضلا عن انهم لم يحموه من الارهابيين والاسلام المتشدد.

 

بعد 15 عام، اصبح الايزيدي يدرك تماماً بان وضعه في العراق يشبه كثيراً وضع تلك المرأة في المثل الشعبي التي تزوجت وطلقت 7 مرات، وانجبت طفلاً واحداً، فسالها ذات يوم ابنها: ماما من كان الافضل من بين كل ازواجك السابقين، فـأجابت الام وبعصبية، والدك كان حقيراً، والباقون كانوا احقر منه. ربما يكون التشبيه غير مناسب، إلا أن كل من تعامل مع الايزيديين خلال الـ15 عام السابقة من حكومات واحزاب تسلطت وحكمت مناطق الايزيدية كان أحدهم اسوأ من الاخر، كلهم أرادوا الايزيديين سلعة لا شعبا، وصوتا للانتخابات لا مواطنين حقيقيين.

 

تعرض الايزيدي لـ"بانوراما" من الانسحابات العسكرية والادارية، سواء من قبل الحكومة الاتحادية او حكومة اقليم كردستان، هم ركبوا سياراتهم وحملوا حقائبهم وبقي الايزيدي يعاني ويدفع ضريبة الانسحابات، حرمانا واهمالا وترديا في الخدمات، فضلا عن كل ما جرى من قتل وخطف وسبي، لقد دفع الايزيدي منذ 15 عاما ضريبة الانسحابات من السنة والكورد والشيعة:

 

الانسحاب الاول: انسحاب كامل لحكومة المركز العراقية بعد سقوط النظام عام 2003 وتسليم الايزيدية للاحزاب والحكومة الكوردية، وكانت نتيجة هذا الانسحاب هو ان الاحزاب الكوردية نهشت في الجسد الايزيدي جعلت منه الة لعد النقود، ولكن اخذت منه روح الرجولة والغيرة والكرامة، ببرامج جاهزة وبطرق ممنهجة، حتى دخلت الاحزاب الكوردية الى الجسد والبيت والفكر الايزيدي، وكل من عارض اتهموه بالبعثية وزجوه في السجون، جردوا رؤساء العشائر من الهيبة والنخوة مقابل مائة دولار او مائتين او سيارة او سيارتين او راتب او راتبين، أعادوا البعثيين القدامى الذين كانوا يشغلون المناصب الى نفس مناصبهم وكذلك الجواسيس ورجال الامن في حقبة صدام الى نفس عملهم، اهملوا الشباب والخريجين والطاقات والكفاءات، السماسرة والقوادون اصبحوا في الواجهة وهم من يأمرون، وبكل هذا حولوا الايزيديين من شعب فلاح مكافح ذي كرامة لا يتنازل عن دينه ومعتقداته، أصبح يفضل الحزب وقادته وفوقه وتحته واسفله ووسطه على دينه ومعتقداته، اصبح يكتب تقارير في جيرانه واصدقائه وحتى اخوانه، اصبح يفعل كل شيء بابناء جلدته لارضاء المتسلطين الجدد القادمين من دهوك او السليمانية.

 

بعد فترة الانسحاب العراقي من مناطق الايزيديين عام 2003 الى عام 2014 اصبح غالبية الايزيديين مثل الدجاج أو البقر الحلوب لا يتمكنون حتى من اكل بيضهم وحليبهم، ومن ثم لحمهم، كل هذا وللان لم يصبح الايزيدي مواطنا كورديا حتى الايزيديين الذين يسكنون الاقليم ولهم حق التصويت فيه، يحرمون اكل خبزهم وشراء لبن اغنامهم، ولا يمر شهر دون اساءة رسمية او اهانة غير رسمية، اما بمقابلة تلفزيونية او محاضرة جامعية او مقطع فيديو مسرب من رجالات الحكومة والاحزاب ورجال الدين او اساتذة الجامعة او عامة الشعب، وجميعها اما تمرر بأعتذار او حتى دون اعتذار.

 

الانسحاب الثاني: انسحبت منظومة الدفاع الكوردستانية "بيشمركة واسايش" من شنكال دون ان يقولوا للناس اننا سننسحب في 3 اب 2014، دون قتال ودون مقاومة ودون شهداء ودون طلقة واحدة، ولم يبلغوا حتى انصارهم بالانسحاب، لقد ترك الايزيدي يواجه مصيره، فسقط 12 الفا منهم بين قتيل ومختطف، قتل الالاف دون تردد، اغتصاب وسبي الاف الفتيات والنسوة، تجنيد الاف الاطفال في معسكرات داعش، ابادة قرى ايزيدية باكملها "كوجو" نوذجاً، حصار اكثر من 200 الف شخص في الجبل لايام دون ماء او طعام او دواء، نزوح ما يقارب 400 الف مواطن الى مخيمات النازحين في كوردستان، تدمير البنى التحتية لمناطق الايزيدية من مزارات وبيوت ومحال تجارية وتدمير مصادر معيشتهم، نتيجة الانسحاب كانت "ابادة جماعية" ارتكبت بحق الايزيدية.

 

الانسحاب الثالث : في 17 اكتوبر عام 2017 حين قررت القوات العراقية فرض القانون على المناطق المتنازعة ومرة اخرى انسحبت منظومة الدفاع الكوردستانية وبعقلانية وقالت انها لا تريد ان تدخل الايزيديين في حرب واقتتال داخلي لان الجانب الاخر كان الحشد الايزيدي، لكن تركت الشنكاليين مرة اخرى بين ايدي ناس غرباء عن طبيعة وجغرافية المنطقة وطقوس ومعتقدات المنطقة، فما ان دخل الحشد الشعبي مناطق الايزيديين، حتى نشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي اخبار وصور عن سرقة معمل سمنت شنكال وسايلو شنكال وفرض ضرائب على كل سيارة تحمل مواد غذائية او مواد بناء او اي شيء يدخل او يخرج من والى شنكال، لم يمر شهر منذ دخول الحشد دون مناوشات او مطالبات بنزع اسلحة الايزيدية والقوات الايزيدية التي حاربت داعش في ظل غياب المركز والاقليم لسنة كاملة.

 

الانسحاب الرابع : في 1 نيسان 2018 انسحبت قوات حزب العمال الكوردستاني من شنكال بعد مكوثها لسنوات فيها بعد التهديدات المستمرة من تركيا بدخول شنكال او قصفها وتطهيرها من حزب العمال، نفس الحزب الذي لم يخرج بمطالبات كوردية ودخل صراع مميت ومقيت مع الحزب الديمقراطي الكوردستاني لثلاث سنوات ولكنه لم ينصع لاوامر الديمقراطي ولكنه انصاع لاوامر الحكومة العراقية والتهديدات التركية وسحب قواته من شنكال، تاركاً خلفه جناحا سياسيا ايزيديا وكذلك جناح عسكري ايزيدي ومجلس الادارة الذاتية القريبة من ايديولوجية وفكر العمال الكوردستاني في نصف الطريق، تاركاً الجماهير وثقة الايزيديين بهم كقوة قتالية لا تنسحب للموت، ولا تترك الشعوب للقتل وللارهاب، انسحاب العمال رغم انه كان مطلبا جماهيريا ايزيديا تجنباً للقصف التركي، الا انه أعدم الثقة بين الايزيدي وحزب العمال وشعر الايزيدي باي مدافع عنه للابد، وبحسب تقديري نتائج الانسحاب كانت واضحة على معتنقي فكرهم وبالاخص في الانتخابات المنصرمة حيث لم يفلح حزب الحرية والديمقراطية الايزيدي "بادي" بالفوز بمقعد كوتا الايزيديين وهو الحزب القريب من فكر حزب العمال الكوردستاني.

 

الانسحاب الخامس: في قرار مفاجئ وطارئ قررت قوات الحشد الشعبي يوم 9 اب 2018 من الانسحاب من شنكال دون ذكر اسباب مقنعة، تاركين الايزيدية مرة اخرى لقمة سهلة للمتشددين والمتطرفين في قضاء البعاج وناحية القيروان الذين عادوا الى مناطقهم واغلبية اهالي هذه المناطق بايعوا داعش وقاتلوا مع داعش واكلوا من غنائم داعش وسبوا سبايا داعش وان اتيحت لهم الفرصة وجمعوا قواهم المنهارة لن يرحموا الايزيدية..

 

بهذا فقد الايزيدي الثقة بالكل، وان ارادوا الحفاظ على ما تبقى من الايزيدية وان يقطعوا عليهم طريق الهجرة وان لا يفرغ البلد من احدى اقدم دياناته الا ان يشكلوا قوة ايزيدية منظمة ومسلحة او ان يعطوهم ادارة ذاتية ويطالبوا المجتمع الدولي بضمان حماية دولية لهم، ومثلما لم يفلحوا بحمايتهم يقولون للمجتمع الدولي ليس بإمكاننا حماية الايزيدين، وبعد كل هذه الانسحابات على مدار 15 عاما وتدمير ديانة كاملة، للاسف لن يخجلوا بانسحاب اخر امام المجتمع الدولي، ولا اتمنى سوى ان يكون الانسحاب الاخير في مصلحة الايزيديين.

المصدر: