الصوم عن التظاهر والاحتجاج

تاريخ النشر 2018-09-13 00:25:49 أخر تحديث 2018-09-18 11:02:41 الصوم عن التظاهر والاحتجاج

يبدو أن العراقيين البسطاء المظلومين المحرومين والعاطلين عن ممارسة حقوقهم المسلوبة، لم يعودوا قادرين على ممارسة شريعة التظاهر والاحتجاج والاقتراب من اهدافهم المشروعة مهما كان مدى الظلم والإجحاف الذي يتعرضون له من قبل الحكومات والأحزاب الحاكمة. العراقيون كلهم بكل ألوانهم وتنوعاتهم العرقية والدينية والإثنية قادرون على التظاهر والاحتجاج.. حقيقة لا يمكن إنكارها لكن هذه الحقيقة تتحول مع الوقت إلى سراب لأسباب معلومة للجميع لكن للاسف لا توجد قوة كافية لمنع هذا التحول، وعليه يمكن وصف تظاهرهم واحتجاجهم وتسميتهُ  بالحمل الكاذب الذي غالباً ما ينتهي بخيبة أمل أو حمل صادق يولد منه وليد مشوه أو مسخ.

 

هذان النوعان من التظاهر يحدثان بين فترات متفاوتة على رقعة الجغرافية العراقية، الأول كما سميناه فوق بالتظاهر الكاذب ووصفناه  (ألحمل الكاذب)، الذي غالباً ما ينتهي بكشف النوايا والأهداف المزيفة للقائمين عليه، منهم من يترك المهمة ويلتحق بركب الاحزاب والكتل المتنافسة على السلطة بعد أن حقق شهرة وسمعة جعلت منه مناضلاً ومدافعاً عن حقوق المظلومين والمحرومين والعاطلين عن العمل، الامثلة كثيرة نذكر منها تمكن عدد من قادة التظاهرات والاحتجاجات التي حدثت في الانبار وبغداد وكركوك والبصرة والمثنى وكربلاء والنجف وديالى وصلاح الدين أن يجلسوا على مقاعد مجلس النواب في الدورات السابقة ومنهم من سيجلس في هذه الدورة، بعد ان حققوا بجدارة أرقاماً كبيرة في بورصة الانتخابات وعلت أسعار أسهمهم في سوق الاوراق الانتخابية، التظاهرات والاعتصامات عبدت الطريق لهم نحو البرلمان العراقي. ومنهم أيضاً من هم اصلاً ضمن رقعة شطرنج الاحزاب التي يَخدِمُها ويِهُمها أن تُجيش وتُحشد الآلاف وربما الملايين للتظاهر في الايام العادية والجمع لإغراض سياسية وحزبية ضيقة. هؤلاء المستفيدون من تظاهر النوع الكاذب أو بكلمات أخرى يمكن أن نقول هذا حصاد التظاهر الكاذب الذي استغل المواطن البسيط وصعد على أكتافه بهتافات وممارسات خادعة.

 

النوع الثاني عبارة عن تظاهر صادق وحقيقي، لكنه غير قادر على تحقيق أهداف وتطلعات القائمين عليه، دائماً ما ينتهي بكوارث وحرائق ودواعش يحتلون مدن، نذكر منه مثالين، الاول وهو الأكبر والأعظم يتجسد بمظاهرات واعتصامات المحافظات السنية عام 2013 التي بدأت بمطالب مشروعة وتطورت ونتجَ عنها سيطرة كاملة للإرهاب على مفاصلها بعد مسرحية هروب سجناء الإرهاب من سجن ابو غريب واستيطانهم ساحات الاعتصام ومن ثم تهاوي وسقوط المحافظات السنية بمدنها الكبرى بيد داعش.

 

المثال الآخر الحاضر بكل تداعياته يبرز من جنوب العراق مع اشتداد الصيف وظهور أزمة الكهرباء وعدم وصول الإطلاقات المائية من دجلة والفرات الى تلك المحافظات وانتشار حالات التسمم بسبب ملوحة وعدم تعقيم وفلترة الماء الصالح الشرب، تلك الأسباب أدت إلى خروج أبناء البصرة بمظاهرات واعتصامات سلمية مشروعة، مطالبين الحكومة بحلول، قابلهُ تعامل الحكومة مع الأزمة بحزمة من الوعود الكاذبة وحملة عسكرية تخللها قمع واعتقال رموز تلك التظاهرات، يصاحب كل ذلك في الجانب السياسي تعثر واضح في عملية تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، ومع انعقاد الجلسة الأولى للبرلمان العراقي الجديد، تزداد حدة التظاهر وتحرق المؤسسات الحكومية ومقرات الاحزاب بواسطة (ريموت كونترول) المتظاهرين!!

 

من يحرق ومن المستفيد من اشعال النيران؟

عندما أصبح العبادي قاب قوسين من ترؤس الحكومة الجديدة، تُسقطه حرائق البصرة وتُحرق ورقة امريكا في العراق. هذا التغيير الدراماتيكي يثير الأسئلة، ويعطي مؤشراً سلبياً حول تظاهرات العراقيين المظلومين ويصنفها ويضعها بخانة المؤامرات والأدوات الخفية التي تستخدمها جهات ودول صاحبة شأن ونفوذ في العراق.

 

إخفاق مظاهرات البصرة واستغلالها كورقة يتلاعب بها اللاعب الخارجي، تجعل المتظاهر الحقيقي والصادق يعيد النظر بفكرة وفائدة التظاهر، والبحث عن وسائل أكثر نضجاً وعمقاً للوصول إلى تحقيق الأهداف والإبتعاد قدر الإمكان عن تأثير تسييس وشيطنة تلك التظاهرات.

 

ما يحتاجه المتظاهر الثائر على الفساد والظلم هو: الصوم عن التظاهر والإعتصام ولو مؤقتاً.. فهو أسلم من ممارسة حق كفلهُ الدستور العراقي ويسرقهُ الإرهابيون والسياسيون والمندسون والمتحزبون في كل مرة.

 

البحث عن وسائل سلمية أكثر تنظيماً كأن يتجه المحتجون العراقيون نحو نوع خاص من المقاطعات للحكومة والاحزاب، تحددها طبيعة المواقف والحالات التي تقع تحت تأثيرها الحكومة والاحزاب .

 

 

[email protected]

 

المصدر: