رأي

عن جارتنا التاريخية

عن جارتنا التاريخية

رعد أطياف

منذ سقوط نظام البعث وحتى هذه اللحظة تتصارع أميركا وإيران للهيمنة على العراق. وكلا الدولتين تجمعان على عراق ضعيف لا يتمتع بالاستقلال النسبي، فمنذ تأسيس "ديمقراطية المحاصصة" يدعم الاثنان حكومات فاسدة وضعيفة لم يشهدها لا العراق الملكي ولا الجمهوري بحكوماته المتعاقبة حتى لحظة سقوط الدكتاتور.

 

وتظل إيران محكومة بـ"فوبيا العراق"، وبالدرس البليغ الذي تلقته في حرب الثماني سنوات، وهي تدفع بكل قوة ممكنة أن لا يعاد السيناريو المرعب مرة أخرى؛ فقد حاربت  الاحتلال الأميركي عبر دعمها المستمر للمقاومة العراقية (ابتداءً من لحظة سقوط البعث ونهاية بمحاربة داعش) وأوصلت رسالتها بوضوح عن مصير الأميركان فيما لو تحول العراق، مرة أخرى، إلى قاعدة عسكرية لتهديد إيران. وقد توّج الإيرانيون هذا الدعم بتشكيلهم فصائل عسكرية عراقية تدين بالولاء لقيم الجمهورية الإسلامية. حتى أن هذه الفصائل تنظر للاحتلال الأميركي بمنظارين مختلفين: سيكون الأميركان أعدائنا فيما لو قاموا باستفزاز الجمهورية الإسلامية، وبخلافه سنتعامل معهم بمنطق براغماتي، ونشارك في السلطة!. يعني هذا، أن القيم "الثورية" يمكنها أن ترتدي رداءً راديكالياً في حين، وبراغماتياً في حين آخر!.

 

وبهذا المنطق يتحول العراق إلى "ضيعة" تتكالب عليها الدول العالمية والجوار الإقليمي دون أن يساهموا في بناء هذا البلد المنكوب.المهم في الأمر أن تمارس إيران دورها الإقليمي وترسل رسائلها لأميركا من أنها دولة إقليمية وبإمكانها مد أذرعها والبحث عن مناطق نفوذها. في الأدبيات الكفاحية، تسعى الدول ذات الآيديلوجيا الثورية بدعم " رفاق السلاح" وهم يقاومون الإمبريالية، ويقفون مع الشعوب المضطهدة لتخليصهم من احتلال بلدانهم. فعلى الرغم من الخلاف الصيني السوفيتي، لم يتخلَ هذا الأخير من مد يد العون للصين، فقد درس الصينيون التكنولوجيا الروسية المتطورة، وقام الروس بمساعدة الصين " النامية" آنذاك بالتعاون المشترك وبناء البنية التحتية وفتح افاق التطور التكنلوجي والعمراني، ولا زالت آثار التقنية الروسية ماثلة في المؤسسة العسكرية الصينية، فضلاً عن الشواخص العمرانية ذات النط السوفيتي التي شارك فيها معماريون روس في عهد خروتشوف ( بالطبع لم يستطع السوفيت من بناء جيش صيني رديف للاتحاد السوفيتي!!). وظلت روح التنافس والسباق نحو التطوير والإبداع هي العلامة البارزة التي تهيمن على علاقة الدولتين. بعبارة أخرى: رغم العلاقة المتوترة التي حكمت البلدين أيام الحرب الباردة، إلا أن ذاكرة " الرفقة" والمصير المشترك، بين روسيا "اللينية"، والصين "الماوية"، ذات البعد العقائدي،أخذت طابعاً إيجابياً إلى حد ما.

 

لم يتورط ماوتسي تونغ مع السوفيت في حربهم الباردة مع الأميركان، ولم يتحرك السوفيت بدافع " الفوبيا" تجاه الصينين. ولم تتخذ قضية ترسيم الحدود بين البلدين طابعاً " انتقامياً" بل ساهم الحكماء من كلا البلدين بإغلاق هذا الملف تماماً، وترجموه بعقد مناورات عسكرية ،قرب الحدود، عالية المستوى. وفي المستقبل القريب ، ربما، ستلعب الدولتين دوراً جوهرياً في توازن القوى العالمية، فلديهم كل الأمكانية التي تؤهلهم للعب هذا الدور، فالقضية قضية وقت ليس إلّا حسب رؤية الراحل سمير أمين.

 

يعتبر العراق سوق استهلاكية واسعة النطاق للبضائع الإيرانية؛ فقد بلغ حجم الصادرات الإيرانية العام الفائت نحو 6 مليار دولار، وقد قفزت نسبة التجارة مع العراق من 16%، مقارنة بتركيا والصين، إلى 19% خلال ثلاث سنوات، ويأمل الإيرانيون أن يبلغ مستوى الصادرات الإيرانية إلى 15 مليار دولار في المستقبل. فالجارة إيران هي من أكبر المستفيدين مستقبلاً من العراق، ويقدم هذا الأخير منافع كبيرة لم تكن في حسبان الإيرانيين يوماً ما، فقد تحول هذا البلد إلى سوق استهلاكية لكل شيء، إذ تتعامل مع هذه الأرض على أنها سلعة!،إنها سياسة التسليع لكل شيء كما ذكرها ماركس: البضائع والبشر يتماثلان طبقاً للمنطق الإيراني، جيش موالي، وبضائع قادمة، ونفوذ كبير يتحكم في القرار السياسي.

 

وكل يقين أن هذه الأحزاب التي تدعمها إيران لا تصلح لإدارة مدرسة ابتدائية في الريف الإيراني. وإيران، قبل غيرها، تعلم ذلك علم اليقين. فهل سيفكر الإيرانيون بتجارب الدول الصديقة ذات التاريخ الثوري المشترك وتنظر لأفضال العراق عليها الذي كان سبباً جوهرياً في إنعاش اقتصادها؟. على الأقل تقوم بتدريب نخب سياسية محترفة تستلهم التجربة الإيرانية ببناء البلد. هل سيدرك الإيرانيون ما يفعلوه قبل فوات الأوان؟!.

 

مقالات أخرى للكاتب