ثقافة

المُثقف (الفيكه)

المُثقف (الفيكه)

د. علي المرهج

(الفيكة) إصطلاح شعبي باللهجة العراقية، يُقصد به (التحذلق) وإظهار الفرد لتميز ليس فيه، ولكنه يُتقن تصديره لنفسه رغم خوائه المعرفي والأخلاقي، وقد تماهى بعض من مُدعي الثقافة مع هذا المفهوم وتبنوه، فصدَروا أنفسهم للبُسطاء الناس على أنهم مُثقفون وهم لا علاقة لهم بالثقافة سوى شراء بعض من الكُتب وبأفضل الأحوال قراءة مُقدمتها وزيادة على ذلك قراءة خاتمتها، بل ومنهم من يحفظ كلام بعض من المُثقفين القُراء ولشطارة فيه وإتقان يُعيد قول هؤلاء على آخرين ليُظهر لهم أنه قارئ واع بامتياز، ولكنه لا إمتياز له سوى أنه كالببغاء يُعيد قول الآخرين سارقاً قراءاتهم ولا يستحي!.

 

(إن لم تستح فافعل ماشئت) وهُناك الكثير ممن يُسمون أنفسهم مُثقفون أو يُسميهم الآخرون، لا يستحون لا من الله ولا من الناس، فيسرقون جهود غيهم بلا حياء ليُهمواالسُذج من الناس والبسطاء على أنهم يفقهون الكثير في الشعر والرواية والأدب وعلوم الشريعة لا لأنهم قُراء فعلاً بقدر ما أنهم يُتقنون تصدير أنفسهم في أوساط كثيرة في مُجتمعات البُسطاء من الذين لا يُتقنون القراءة ولا الكتابة، ولكنهم يعشقون كل من تأبط كتاباً أو أظهر أنه يعرف بعض من المُصطلحات أو المفاهيم الغريبة البعيدة عن التداول المُجتمعي العام، وهم فرحون بما يتلفظ به هذا الذي يظنون أنه (مُثقف)، ولربما يكون قد صدَر بعضاً من الكُتب في دور أصحابها لا يقرأون، أو ربما نشرها عبر دفعه لمال من جيبه الخاص لدور نشر، وهناك من استغل مؤسسات حكومية أو مدنية وثقت به فصدَر بعضاً من مؤلفاته أو ترجماته الواهنة، أو مما كتبه عنه بعض من أصدقائه أو مُتملقيه الذين يرومون صعود السلم بقفزة بهلوانية كما فعل صاحبهم القادم من بلاد الغرب الذي ترجم وأتقن لغة أنكلو سكسونية فتحذلق وتملق فتمكن واستمكن من خداع المسؤوليين الذين هم في الأغلب الأعم لا يفقهون من القافة شيئاً.

 

إلبس العمَة وتزييا بزي رجال الدين، وإن لم يكن ذلك مما هو مُتاح لك أو مما لا تُعرف به، فاطبع جبهتك وأبن عن بُقعة فاقعة يُخدع بها الآخرون وإلبس السواد في عاشوراء واحضر في قاعات الساسة (السادة) مآتماً ذات الخمس نجوم وإجعل موقعك أمام كاميرا مركز القاعة وتباكى، فلا بُد أن تلفت الأنظار وسيرضى عنك السُلطان وستنعم بمناصب لا عدَ لها وكأن مارداً قد خرج إليك ليقول لك "شُبيك لُبيك عبدك بين إيديك" لتنفتح لك خزائن الرحمة والنعمة!، وإن لم يكن بمقدورك إتقان التمثيل، فلك بديل آخر، ألا وهو التنظير عن مآثر من يدعي الساسة (السادة) الإنتماء لهم وتبني شعاراتهم، وأضعف الإيمان إن لم يكن من أقواها هو التتواجد في موائد الساسة (السادة) والكتابة عن مآثرهم أو محاسنهم بلغة مفاهيمية يكتنفها بعض من الغموض، وإن كُنت ممن يُتقنون القراءة لبعض من المناهجيات الغربية المُعاصرة لتكشف بها عن (السر المكنون) وطاقة الكمون عند هؤلاء الساسة (السادة) في مقدرتهم الفذَة على التفوفيق بين (التراث والحداثة) ولك الحق في الكشف عن مقولات أميزهم في الفلسفة النقدية!.

 

وحينما لا يُتقن المُثقف (الفيكة) التجلي الجميل في التماهي مع مقولات الساسة (السادة) فليتخذ له مكاناً قصيا والكتابة عن مساوئ السلطة وجهلها، وليكن بحذلقته هذه كاسباً لا خاسراً، ومن مُقتضيات الكسب في عوالم الربح والخسارة لمن يبحث عن جاه ولا يحصل عليه في كنف السلطة عند المُثقف (الفيكة) هو سعيه للعمل على تأليب الرأي العام على السلطة للبحث عن داعم له لتأسيس مُنظمة مُجتمع مدني، ولا أقصد برأيي هذا كل مؤسسات المُجتمع المدني، إنما أقصد من لا يعلم ماهية وطبيعة عمل المراكز البحثية بوصفها مؤسسات مُجتمع مدني، لأن جُلَ همه هو تأسيس مركز مدعوم من جهة نافذة تمنحه أموالاً من خزينة الدولة التي أنهكها الساسة (السادة) ليبحثوا عن مُثقف (فيكة) يؤسس لهم مركزاً للتحليل السياسي أو الاستراتيجي، بل وحتى أمني والعسكري، وهو لم يقرأ كتاباً في فن الحرب لا في الأمن المُجتمعي أو العسكري، وبأفضل الأحوال تجده كان يعمل ضابطاً في الجيش السابق، ولم يدرس في الأركان العسكرية ولم يكن رقماً على اليمين بقدر ما كان رقماً على الشمال!.

 

وإن لم تتمكن من هذا وذاك فتحذلق كثيراً وأكتب بلغة غامضة لا تفهما أنت ولا يفهمها قُرائك ليصفك الجهلة ممن لا يفقهون ما تقول "مُثقف استثنائي" لأنك تقول ما لا يُفهم!.

 

وزد على ذلك لتحضر في موائد الساسة (السادة)، أو في مؤسسات المُمانعة والرفض بالتزيي بحسب تغير الحال، فلك أن ترفض التجمل بربطة العُنق، لأنها تشي بدلالة لا يرتضيها أسياد المشهد السياسي المتأترثين اليوم، ولك أن تُبرز عضلاتك لتتزيا بزي لا يرتضيه هؤلاء وتتمشدق بألفاظ مُنتقاة من بيئة أخرى مثل: الديموقراطية والتعددية والدفاع عن الأقليات، فهي اليوم مُتبنيات من يروم الحضور والتأثير في المشهد السياسي العراقي إن كان لا يُتقن التوافق مع خطاب السلطة، سُلطة الساسة (الساسة)، ولا أقلل في قولي هذا من جهود الصادقين من الذين توثقت علاقتهم بالمجتمع فوثقوا بقولهم، وقد خسروا كثيراً من الإمتيازات التي كان بإمكانهم الحصول عليها لو أبدوا بعض من مُداهنة أو حتى مُجاملة.

 

مقالات أخرى للكاتب