احتجاج أسماك أنهار العراق وهجرة سكان هنداروس

تاريخ النشر 2018-11-05 23:28:16 أخر تحديث 2018-11-15 22:23:35 احتجاج أسماك أنهار العراق وهجرة سكان هنداروس

استوقفني قبل أيام، مشهد قيام الآلاف من مواطني الهنداروس بالهجرة الجماعية، أو طلب اللجوء إلى المكسيك والولايات المتحدة الأمريكية، احتجاجاً على فساد حكوماتهم وتدني مستوى المعيشة في بلادهم، أثارَ هذا المشهد الكثيرمن التساؤلات والمقاربات في العراق، وأطلقَ العِنانُ للكثيرِ من خلال صفحات التواصل الاجتماعي للمقاربة أو المقارنة بين المشهد العراقي والهنداروسي ، مقارنة أو مقاربة حاول البعض من خلالها  تشجيع العراقيين إلى تبني  فكرة الهروب والخروج من العراق بصورة جماعية إحتجاجاً على فساد الطبقة الحاكمة .

 

كلِ تلكَ الأفكار دارت في مخيلةِ أصحابها ولم يحدث أي شيء منها، بقى العراقيون صامدون  ينتظرون (غودو) ،أوأن تقوم حكومتهم الجديدة الغير مكتملة بإنقاذهم من متاهتهم ، وتجنبهم تكرار أو محاكاة التجربة الهنداروسية (العراقيون أصحاب أطول المسيرات إلى كربلاء والمناطق المقدسة)  من خلال الفرار الجماعي مشياً على الأقدام أو اللجوء الجماعي مشياً وعوماً إلى تركيا ومن ثم أوربا .

 

بالقربِ من مهدِ الحضارات (بابل) تَقعْ كارثة بيئية! ضحيتها ملايين الأسماك التي كانت على مدى السنينِ الماضية ضيفاً يومياً أوأسبوعياً على جميع موائد العراقيين بفقرائهم وأغنيائهم ، سلة العراق السمكية تتعرض لكارثة بيئية.. نفوق ملايين من الأسماك المكتملة النمو، يُعتبر احتجاجاً خارجاً عن المألوف على سياسات الفساد للحكومات السابقة ، مهما تكن دوافع النفوقْ وأسبابهُ فإنه يُعبربطريقة أو أخرى عن عمقِ أزمة العراق بكل أشكالها .

 

في العراق، أصبحَ الاحتجاج غير مألوف، وخارج عن ما يتخيلهُ العقل ، أسماك الفرات تخرج من قاع مياههِ  لِتعبّر عن احتجاجها بالموت الجماعي ،رداً على بؤس السياسة والإقتصاد والإجتماع في العراق. الأسماك بدلاً عن الشعب العراقي، هيَ منْ عبّرَ هذه المرة وأحتجَ،وحاولَ تقلييد  التجربة الهنداروسية ، مجموعات هائلة من الأسماك قررت أن تحتج بالموت الجماعي، رافضةً إستنشاق الأوكسجين المذاب في مياه العراق، إصطفتْ وتكدستْ بمجموعات هائلة على ضفافِ الفرات، تحاول إيصال رسالة إحتجاجية أقوى من كل رسائل البشر .

 

مُؤكداً ، إنها لا تعرف ولا تعي ما يحدث في أمريكا الوسطى والهجرة الجماعية لسكان الهنداروس إلى المكسيك والولايات المتحدة الأمريكية ، لكن بنفوقها المتزامن مع هجرة شعب الهنداروس، قد تكون عبّرت عن إحتجاجها وأنتفضت ضد حكومات فاسدة ،وأنتصرت لشعب يتعرض لأقصى هجمات التجهيل والتهجين والتهميج ولم يعد قادراً على التأثير بالاحتجاج في صوره المعتادة.

 

يعتبر نفوق الأسماك واصطفافها على جرف الفرات، أكبر مظاهرة إحتجاجية سخّرتها الطبيعة ،على سياسات وممارسات الحكومات الفاسدة التي قادت العراق إلى مصيرهِ المجهول. ويعتبر أيضاً احتجاجاً بيئياً وصحياً وحيوانياً على الإنسان صاحب العقل،ومن جهة أخرى يعتبر هذا النفوق  وجهاً قبيحاً من أوجه الفساد الذي يسود العراق منذُ عقدين من الزمنِ.

 

لم يعد امام المفسدين من خيار.. الماءُ والهواءُ والصحراءُ والأنهرْ والأسماك والبنايات والأغنام والأبقار والطيور والزواحف والنمل والحشرات بكل مسمياتها ، قادرة على إظهارِ وفضحِ زيفِ سياساتكم وكذب ما تقومون به. إنها الظاهرة الأكبر، برمزيتها وواقعيتها، القادرة على فضحِ حكومات سابقة فاسدة وتُحذر حكومة جديدة من مواجهة مصيراً أسوداً وأغبراً إذا لم تصحح وتهتم بالبشر والحيوان والطبيعة معاً.

 

المصدر: