يوتوبيا كامل شياع

تاريخ النشر 2018-11-07 11:13:55 أخر تحديث 2018-11-20 00:02:34 يوتوبيا كامل شياع

 

سألت نفسي حين قرأت لأول مرة كتاب كامل شياع "اليوتوبيا معياراً نقدياً" في صياغته الإنجليزية الدقيقة الواضحة: ما الذي دفع كامل شياع إلى اختيار اليوتوبيا وفيلسوف ألماني لم يحرز شهرة واسعة في الغرب الأنجلوـ سكسوني مثل أرنست بلوخ موضوعاً لأطروحته؟ حين صدرت الأطروحة بالعربية بترجمة سهيل نجم عن دار المدى عام 2012، كانت معالم الإجابة عن سؤالي قد بدأت تتضح. وسأحاول في هذه المقالة استقصاء بعض تفاصيل هذه الإجابة لأنها تليق بالذكرى العاشرة لحدث استشهاد كامل شياع المدوي.

 

قدم كامل شياع أطروحته لنيل شهادة الماجستير في الفلسفة إلى جامعة لوفين في بلجيكا تحت عنوان "اليوتوبيا نقداً" Utopia as Critique عام 1989. والأطروحة احتفاء بالإمكانات النقدية الإيجابية الكامنة في الموقف اليوتوبي وحراثة خصبة في فكر فيلسوف الأمل أرنست بلوخ (1885 ـ 1977) الذي وصفه ثيودور أدورنو القانط من مآلات اليوتوبيا بأنه أفضل من دافع عنها. الطريف أن عام 1989 نفسه شهد نشر فرانسيس فوكاياما مقالته المعروفة "أهي نهاية التاريخ؟" في مجلة "ناشنال انترست" التي أعلن فيها انتصار الديمقراطية الغربية وحلول عصر ما بعد الأيديولوجيا وانحلال اليوتوبيات، وجادل أن النظام العالمي الجديد يمثل انتفاء الحاجة إلى التاريخ والسياسة. يبدو البون شاسعاً بين شياع وفوكاياما بالرغم من أنهما شهدا عالماً واحداً. وبدا في الأعوام التي أعقبت نشر الأطروحة والمقال أن فوكاياما هو المنتصر، خصوصاً بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ومنظومة الدول الاشتراكية في أوربا الشرقية. حتى أن فوكاياما وسّع مقالته ونشرها بعد ثلاثة أعوام في كتاب اتخذ العنوان فيه صيغة تقرير حقيقة مؤكدة بعد أن كان سؤالاً من قبل: "نهاية التاريخ والإنسان الأخير". وسوف أعود إلى العلاقة بين الكتابين لاحقاً.

 

لا يصل قارئ "اليوتوبيا معياراً نقدياً" إلى الفصل المخصص لأرنست بلوخ إلا بعد فصلين يقدمان قراءات مركزة ثاقبة النظر في تاريخ فكرة اليوتوبيا، جذورها وسياقاتها، ثم مكانة اليوتوبيا بوصفها نقداً في الفكر المعاصر. يمهد الفصلان لأطروحة الكتاب بتفنيد الثنائيات المغلقة التي ميزت فهم اليوتوبيا عبر التاريخ. هنالك على سبيل المثال اليوتوبيا الداعية إلى الحرية في عصر النهضة ويمثلها توماس مور مقابل اليوتوبيا الداعية إلى النظام في عصر التنوير ويمثلها سان سيمون. هنالك من جانب آخر الانقسام بين اليوتوبيا والأيديولوجيا كمفهومين يطرد أحدهما الآخر، ثم عرض لآراء ثلاثة فلاسفة حاولوا جمع المفهومين في إطار واحد مؤكدين الطاقات النقدية في اليوتوبيا التي لا يمكن لموضوعها إلا أن يتصل بميل الأيديولوجيا إلى التثبيت والمحافظة، وهم كارل مانهايم وأرنست بلوخ وبول ريكور. يخلص كامل شياع إلى أن اليوتوبيا والأيديولوجيا يمثلان وجهين لصيرورة تاريخية أوسع منهما تحيط بكل تفاصيلهما ونواياهما وتدفعهما إلى التداخل.

 

مع الفصل الثالث المكرس لأرنست بلوخ تبدأ معالم رؤيا كامل شياع وفرضيته تتضح وتتحرك نحو الراهن والمستقبل. تتصف فلسفة بلوخ بأنها سعت بهمة عالية إلى استبقاء روح الأمل والثقة في المستقبل في زمن صعب مأزوم عاشه الفيلسوف وأكتوى به في النصف الأول من القرن العشرين. كتب بلوخ ثلاثيته الكبيرة "مبدأ الأمل" في الأعوام 1938 ـ 1947 (وراجعها في الأعوام 1953 ـ 1959) وكان يومها مطروداً من بلده ألمانيا بسبب ماركسيته ويهوديته ومقارعته المبدئية لصعود النازية المشؤوم. ولكن بينما ذهب رفاقه الماركسيون إلى فهم النازية على أنها هامش فوقي من هوامش النظام الرأسمالي يفتقد أية دلالة أخرى، جادل بلوخ في كتابه "ميراث زماننا" (1935) أن النازية حركة دينية أصابها الفساد تمتد جذورها في الرغبات الإنسانية المحبطة في غد أفضل. وطرح فهماً جديداً للدين يرى فيه وازعاً ثورياً يتعالى على ما يحدث للأديان بعدما تبتلعها المؤسسات والمصالح. وأفكاره بهذا الصدد كان لها أعمق الأثر في نشوء لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية.

 

يقتبس كامل شياع قول بلوخ "لا يمكن أن تتحقق معرفة وثيقة بالواقع من دون أن تترافق مع الأمل." (ص 103) واليوتوبيا هي الإرهاص الأول الذي لا يكتشف الأمل نفسه بدونه. لليوتوبيا إمكانات إدراكية وتعليمية وتنبؤية لا غنى عنها وهي غائية بطبيعتها، زمانية وبالتالي إنسانية (ص 105). أما مصدر اليوتوبيا بحسب بلوخ فهو ما يصطلح على تسميته "ما ليس بعد" وينقسم إلى "ما لم يصبح بعد" و "الوعي الذي لم يتشكل بعد". الأول يؤكد أنطولوجيا الكائن المحكوم بالحركة نحو هدف يتجاوز التأمل المحض، أما الثاني فهو وعي مرتبط بالمستقبل لا الماضي وبالصيرورة لا العقائد الجاهزة المعطاة سلفاً. "ما لم يصبح بعد" هو الطاقة التي تبلور "ما لم يتشكل في الوعي بعد" وتقوده إلى الفعل المتجه إلى المستقبل. وبلوخ لا يؤمن بأن المعرفة تذكّر قادم من حقبة سابقة بل يراها تعرّفاً يمارس الشك بكمال الماضي والأمل بالكمال في المستقبل (ص 109). تبدأ المعرفة من رغبة راهنة كثيفة هي لحظة الهنا والآن التي لا يمكن اختراقها إلا بنظرة قادمة من مسافة فاصلة (ص 126)، فإذا هي استهدت بالروح اليوتوبية تمكنت من ابتكار مسارها بعيداً عن الخطط المسبقة والبرامج الجاهزة التي حاولتها اليوتوبيات والأيديولوجيات على حد سواء. من هنا يكون إخضاع اليوتوبيا نفسها للنقد منطلقها للتحرر من أوهامها ولتحويلها إلى أداة نقدية بناءة تجمع الواقع والمخيلة في أفق مفتوح. وهو ما يسميه بلوخ "اليوتوبيا الملموسة" أي "الرغبة في التغيير التي تتحد بالوسائل التاريخية. فهي وسيلة لنقد العوالم الوهمية لليوتوبيا التجريدية." (ص 121) وهي "توفر الشكل لما يظل كامناً في التاريخ." (ص 123) وتقف على الضد من اليوتوبيا التجريدية التي "تكرس تسعة أعشار مجالها لرسم دولة المستقبل وعُشراً واحداً فقط للنقد، وهو في الغالب رؤية سلبية للحاضر." (ص 124) بهذا تكون اليوتوبيا بمعناها الملموس نمط وجود الإنسان والشاهد على قدرة خياله على اختراق عتمة الحاضر وأوهام الماضي نحو المستقبل. إنها كما يقول بلوخ مسيرة الإنسان من الجوع إلى الأمل.

 

يقدم كامل شياع مسيرة الأمل بمراحلها الثلاث لدى بلوخ. الخطوة الأولى هي "لا" الرافضة لعتمة الحاضر هنا والآن، وهي تقع في الأصل، في ما يظل فارغاً غير محدد وغير محسوم، ثم تأتي الخطوة الثانية في "ليس ـ بعد" وهو الاتجاه الكامن في الصيرورة المادية للأصل الذي يمضي بنفس تواقة إلى إعلان مضمون هذه الصيرورة (ص 129)، وأخيراً الغاية المتمثلة في "كل شيء" أو "لا شيء" حيث خيار "كل شيء" يعتمد روحاً كفاحية تستند إلى معرفة لاتأملية من أجل تفعيل الإمكانات الحقيقية في المستقبل الذي لا يزال محجوزاً في الماضي (ص 130)، بينما خيار "لا شيء" يقود إلى العدم ويرادف المأساة والجحيم (ص 129). لا بد أن نلاحظ في هذه الحركة أنها لا تعتمد المنطق الأيديولوجي الذي يقارب الصيرورة بعقيدة جامدة مفروضة على الواقع. وهو ما يعني أن بلوخ استشرف في وقت مبكر لحظة تأزم الأيديولوجيا التي يمكن أن تقذف بالبشرية إلى أتون اليأس والتشاؤم فعمل على شحذ أداة اليوتوبيا بوصفها السلاح البديل المتصل بحركة الصيرورة عبر وشيجة المخيلة لا الوهم. التاريخ تعال دون متعال كما يقول بلوخ، وهو ما يمكّنه من الحفاظ على مفهوم التقدم دون إنكار احتمالات الانتكاس والردة في التاريخ. إن المبهم المعتم ذاته هو مصدر المعنى المنتظر.

 

Image

                             الراحل كامل شياع

 

يتلمس القارئ في تحفظات كامل شياع الثلاثة على بلوخ ميله الرصين إلى دفع اليوتوبيا الملموسة باتجاه حقائق الواقع أبعد مما ذهب إليه بلوخ. التحفظ الأول يتعلق بانحياز بلوخ المطلق لكائن منذور كلياً للمستقبل فيرى شياع أن التجذر في الماضي يضغط على الإنسان وأن "ما يحدث أن الناس لا يصلون اليوتوبيا حتماً بل هم في الغالب يقيّمون الوقائع بالوقائع." (ص 134). ثم يتحفظ على حديّة مفهوم "كل شيء" أو "لا شيء" لأن الوقائع التاريخية لا تعلن عن نفسها على أنها شيء مطلق أو لا شيء مطلق: "يبدو بلوخ ميالاً إلى إنكار الاحتمالات اللاتاريخية للتاريخ." (ص 135) وهي إشارة مبكرة من كامل شياع إلى قدرة المحمولات اللاتاريخية للتاريخ على فرض نفسها كما في النظرتين الأيديولوجية والدينية المنقطعتين عن الصيرورة. وأخيراً يرى كامل شياع أن إدراك اليوتوبيا لن يعني إدراك "كل شيء" والقول بذلك يتنافى مع فهم بلوخ لليوتوبيا كنقد. ويؤكد أن قيمة اليوتوبيا تكمن في تعذر تحقيقها كاملة وفي التوتر الدائم بين الواقعي والمثالي أو الملموس والخيالي.

 

لا يتسع المجال هنا للتوسع في قراءة هذا الكتاب المفعم بالفطنة الفلسفية والروح المؤمنة بالمستقبل كأفق مفتوح لا ينصاع لأية مصادرة قادمة من إحباط راهن أو عقدة موروثة. لكني أود أن ألتفت إلى مكانة الكتاب في أفق وجوده التاريخي. في عام 2008 حُسم الصراع بين كامل شياع وفرانسيس فوكاياما عندما انهار النظام الاقتصادي العالمي الجديد في أزمة مزلزلة كشفت عيوب النظام وفضحت ما ينطوي عليه من تكريس للتفاوت الطبقي والهيمنة والفساد. يومها تعالت الأصوات تذّكر فوكاياما بنبوءته الزائفة. نشر ألان باديو كتابه "التاريخ يولد من جديد" وسيماس ميلن مقالاته تحت عنوان "ثأر التاريخ" رداً على أوهام فوكاياما. كلا الكتابين نُشر عام 2012، وهو العام الذي نُشرت فيه ترجمة أطروحة كامل شياع إلى العربية وأصدرتُ فيه روايتي "القنافذ في يوم ساخن" أحتفي فيها بسيرة كامل شياع عبر شخصية شهاب زيدان.

 

كان عام 2008 إذن موعد انتصار مقولة كامل الشياع بأن البشرية لن تتخلى عن اليوتوبيا وهي تكابد تقلبات التاريخ وغدره. لكننا في العراق نستذكر عام 2008 نفسه لسبب آخر أليم هو ذكرى استشهاد كامل شياع في بغداد في عام انتصاره الفلسفي على الوهم. وهي مفارقة دالة مثل الكثير في حياة كامل شياع ونشاطه الإبداعي. اتضح بعد عام 2008 أن التاريخ متواصل حافل بالتحديات الجديدة، وأن البشرية بلغت بعد انهيار الأيديولوجيات القديمة والسرديات الكبرى منعطفاً جديداً يجعلنا جميعاً شهود مرحلة انتقالية نحو أفق جديد لا يزال مجهولاً لم تتضح معالمه بعد. يدرك الجميع في الشرق والغرب أن قيم التنوير الغربية قد استنزفت نفسها في عالم اليوم. وصعود النعرات العنصرية والدينية والقومية المتمثلة في صعود اليمين المتطرف واحتدام الصراعات بين القوى الكبرى مرة أخرى يشهد على أزمة خطيرة تطرح تحديات جديدة بينما تفتقر الإنسانية لتصور واضح لما يمكن أن يكون البديل.

 

في عام 2013 أصدرت جامعة ديوك البريطانية كتاباً يحتوي مجموعة من الدراسات الأكاديمية المعمقة عن فلسفة أرنست بلوخ تحت عنوان "خصخصة الأمل" حرره بول تومسون وسلافوي جيجك. يؤكد بول تومسون في المقدمة أن الغاية من الكتاب إعادة فلسفة بلوخ إلى الواجهة في عالم قلق متململ يواجه حاجة إلى التغيير ورغبة أكيدة في رؤيا جديدة مبتكرة تخرجه من حيرته لكنه لا يدري إلى أين يتجه. ويفصل الباحث جون سيبرز في مقالته عن بلوخ في الكتاب أن هنالك ثلاث علامات تؤكد حاجة البشرية إلى يوتوبيا جديدة هي "أولاً أن فكرة الحقيقة قد بدأت تتعافى من سباتها، ثانياً أن الدين عاد إلى الخطاب السياسي وإلى مشاغل الجغرافية السياسية، وثالثاً أن الأسئلة المتعلقة بعلاقة البشر بالطبيعة أصبحت عاجلة لا تقبل التأجيل." هنالك اتفاق على أن هذه الحالة الانتقالية القلقة التي تعيشها الإنسانية تعيد إلى الواجهة فلسفة أرنست بلوخ لأنها تمتلك من الانفتاح والمرونة ما يجعل تأملها حاجة ملحة. وهو ما يؤكد صواب اختيار كامل شياع لموضوع أطروحته ورؤيتها في وقت مبكر.

 

إذا عدنا إلى السياق العراقي لنرى مآل أطروحة كامل شياع على مستوى الحدث التاريخي ستدهشنا مصادفات أعمق دلالة. تحل الذكرى العاشرة لاستشهاده عام 2018، وهو العام الذي شهد عراقياً انتخابات قاطعها ثلثا الشعب العراقي بدافع اليأس من التغيير، عام طغت فيه مفردة اليأس على خطاب المثقفين والبسطاء على حد سواء. وبينما انسد الأفق وساد القنوط فاجأت حشود كبيرة من الشباب الغاضب القانطين وعلمتهم درساً في الأمل والتمسك بقدرة المخيلة على ابتكار منافذ لم تخطر على بال أحد من قبل. إنها نبوءة كامل شياع تتحقق ورسالته تشق طريقها إلى الممارسة. لم يخرج الشباب المحتج على فساد السياسيين وسوء الخدمات مدفوعين برؤيا أيديولوجية غائية تدفعهم إلى مكان محدد، ولم يخرجوا بوازع طائفي قادم من الماضي. بل خرجوا منطلقين من رغبة يوتوبية تبحث عن أفقها المستقبلي دون حاجة إلى عقائد جامدة. وهذا تحديداً ما قصده وتوقعه كامل شياع، ومن قبله أرنست بلوخ الذي يعده الكثيرون الأب الروحي لاحتجاجات الطلبة في أوربا عام 1968.

 

قد يلاحظ القارئ أني لم أضع قبل اسم كامل شياع في هذه المقالة كلمات مثل الشهيد أو الفقيد أو المرحوم. كنت قد قلت في إهدائي روايتي المذكورة آنفاً إليه أنه قد "عاد من المنفى لأنه قرر أن لا يموت"، وقد أردت لمقالتي هذه أن تفصل ما قصدته، ذلك أن كامل شياع لم يمت ولن يموت.

 

 

المصدر: