أسرار كارثة نفوق الأسماك

تاريخ النشر 2018-11-07 12:40:22 أخر تحديث 2018-11-18 06:57:45 أسرار كارثة نفوق الأسماك

أسرار كارثة نفوق ملايين أسماك الكارب الدهنية في العراق: قلة مياه الأنهار الواردة من تركيا والتلوث البكتيري وكثرة المتجاوزين الراكضين وراء الأرباح السهلة والسريعة على حساب الأنهار!

 

أخيرا، أصدرت وزارة الزراعة بيانا رسميا حول كارثة نفوق آلاف الأطنان من الأسماك في عدد من المحافظات العراقية كديالى وبغداد وآخرها بابل. الوزارة أوضحت أن (من أهم الاسباب هو انخفاض مناسيب المياه في نهري دجلة والفرات وقلة الايرادات المائية من تركيا، وبالتالي ركود وتوقف جريان المياه في بعض مناطق تربية الأسماك بالأقفاص العائمة اضافة الى ما يُلقى في نهري دجلة والفرات من ملوثات صناعية ومنزلية وعدم الالتزام بالضوابط والمحددات البيئية من خلال وجود أعداد كبيرة من المتجاوزين من مربي الاسماك بالأقفاص العائمة وكذلك كثافة التربية في وحدة المساحة ( 25 سمكة للمتر المكعب الواحد) أدت الى نقص الأوكسجين وتحفيز الإصابات الفطرية والبكتيرية نتيجة تخمر مخلفات الأعلاف وفضلات الأسماك في قاع النهر الراكد وانبعاث غاز الأمونيا نتيجة التحلل مما ادى الى تعفن او تلف غلاصم الأسماك وبالتالي نفوقها).

 

اللجنة الوزارية أوصت (بإزالة جميع المتجاوزين من مربي الاسماك بالأقفاص العائمة غير المجازين وإزالة الاسماك النافقة في الانهر وبالتعاون مع وزارة الصحة والبيئة والمحافظات وكذلك إلزام المربين بالالتزام بالضوابط والمحددات البيئية ونظام التربية الصحيح وكذلك إلزام المربين بفحص الأعلاف المستخدمة للأسماك من قبل دائرة الثروة الحيوانية). يمكن أن نستخلص من بيان الوزارة الآتي:

 

*إن الشائعات عن أن الكارثة تمت بفعل فاعل وأن الهدف منها فتح السوق العراقية أمام أسماك دول الجوار، وخاصة إيران، ليست إلا شائعات لا يمكن تصديقها بسهولة، رغم وجود مصلحة حقيقية لمنتجي الأسماك في دول الجوار في السيطرة على السوق العراق، ولكن أحدا لم يقدم دليلا ملموسا على اتهام إيران أو غيرها غير الردح المعهود ممن خسروا مصدرا وسخا وسهلا لجمع المال أو من المصابين بالإيرانوفوبيا.

 

*إن نقص المياه الواردة من دول المنبع كتركيا بسبب مئات السدود العلاقة التي أقامتها على نهر الفرات وفروعه وعلى نهر دجلة هو السبب الأهم للكارثة ولا يمكن التعامل مع أنهارنا التي تعاني من كارثة التجفيف وحجز المياه بهذه الطريقة الاستغلالية فالنهر كالكائن الحي يمرض ويشفى.

 

*أن غياب الدولة الحقيقية في العراق وهيمنة "دويلات" الطوائف والمليشيات والشخصيات النافذة هو السبب الأهم في كثرة التجاوزات وشحن باطن النهرين بأقفاص تربية الأسماك وبشكل فوضوي ومستهتر ولا علاقة له بالعلم والشروط الصحية يحركه الجشع والركض وراء الأرباح السريعة والسهلة ولكن المدمرة للبيئة العراقية ولأنهارنا التي تُحْتَظَر. الوزارة حددت أن من شروط تربية الأسماك هو ألا يزيد عدد الأسماك عن 25 سمكة في المتر المكعب من الماء وهذا المعدل أكبر من المعدل العالمي بكثير ومع ذلك فقد شاهدت بعيني أقفاصا لتربية الأسماك ليس فيها إلا أسماك محشورة فوق بعضها مع قليل جدا من الماء!

 

* أهملت وزارة الزراعة والثروة السمكية الحقيقية الطبيعية العراقية والتي تراجعت كثيرا، خلال سنوات الفساد والتخريب الأميركي، وكادت أنواع كثيرة من السمك العراقي الشهير كالشبوط والقطان والجصان والبُني والشانك والحمري... الخ، كادت تنقرض، بل إن بعض أنواعها انقرض تماما، ليحل محلها كلها نوع واحد ذي مذاق سيء، هو سمك "الكارب" الذي يحتوي على كمية هائلة من الدهون الملوثة ويُغذى بأعلاف سيئة ومستوردة من دول الجوار معظمها أعلاف من أصل حيواني، لا تنسجم مع طبيعة الأسماك ككائنات نباتية (تذكروا حكاية جنون البقر في بريطانيا سنة 1996 التي حدثت بسبب الأعلاف الحيوانية التي كانت تقدم إلى الأبقار، ثم انتقل المرض الى البشر). والحل في إنقاذ الأسماك العراقية وحماية ما تبقى منها وتكثيرها وفق خطة عملية وهناك محاولات مشجعة قامت بها دائرة الزراعة في محافظة ذي قار قبل سنوات قليلة ولكنها لم تتطور كثيرا.

 

إن سمك الكارب المسمَّن في الأقفاص النهرية والبحيرات العشوائية والمستنقعات، واسمه العلمي "الشبوط الأوروبي" مضر بالصحة البشرية لاحتوائه على ملوثات ومسرطنات ومعادن سامة كالزنك وغيره وبكتيريا خطيرة. كما بدأ بعض أصحاب المزارع والأقفاص منذ فترة بتربية نوع آخر سمك التيلابيا "البلطي" بنوعيه الأسود والأحمر، وهذان النوعان (الكارب والتيلابيا) يتغذيان أصلا على مجاري الفضلات والقمامة والملوثات ولهما قدرة كبيرة على التكاثر ومقاومة وخزن المياه الملوثة وناقصة الأوكسجين إلى حد معين والعيش فيها ولكن يبدو أن قدرتها انهارت على المقاومة بعد تحول نهر الفرات الى مستنقع طويل.

 

*إن هذه الحقيقة عن طبيعة هذا النوع من الأسماك هو ما دفع المشرع المصري كما يبدو إلى سن القانون «124» لسنة 1983، والذى أعيد تفعيله قبل سنتين وهو (يلزم أصحاب المزارع السمكية بـ«استخدام مياه الصرف».. ولك أن تتخيل النتيجة: كل المعادن الثقيلة المترسبة في مياه الصرف تنتقل إلى الأسماك ومنها بالطبع إلى جسم الإنسان لتزداد نسبة المصابين بالسرطان والفشل الكلوي والكبدي / من تحقيق مطول لصحيفة البوابة نيوز الإلكترونية - القاهرية). والواضح أن هدف القانون المصري هو حماية المياه العذبة في نهر النيل ولكن بطريقة عجيبة وأكثر ضررا للصحة البشرية!

 

وأخيرا فقد لاحظنا في الصور كيف يتخلص أصحاب المزارع والأقفاص السمكية من أسماكهم النافقة داخل النهر نفسه ولا يتعبون أنفسهم بإخراجها وإتلافها! وهذه الحالة بمفردها جريمة يعاقب عليها القانون، ولكن هل توجد دولة حقيقية في العراق؟! بل أن بعض الجشعين من هؤلاء المربين جمد الأسماك النافقة ثم صدرها إلى البصرة لتباع هناك على المواطنين بأسعار زهيدة!

 

المصدر: