هَلْ كُنُّا نُقشِّرُ بَطاطَا؟

تاريخ النشر 2018-12-02 00:43:43 أخر تحديث 2018-12-12 16:17:04 هَلْ كُنُّا نُقشِّرُ بَطاطَا؟

دائما ما أُعيد العَبَثَ باوراق الماضي واقلّب صفحاته وأطرح على نفسي هذا السؤال:هل كنتُ في الموقف الخطأ أم الصواب؟

 

إعادة طرح السؤال بين فترة واخرى، لمْ تكُن إلاّ محاولة مني لاكتشاف  حقيقة ما، لربما كنتُ غافلا عنها او كنتُ مغفَّلا بها. مجموع خدمتي الالزامية في الجيش العراقي بصفة جندي مُكلَّف مضافا اليها خدمة الاحتياط من بعد ان تخرجت من كلية الفنون الجميلة، تصل الى خمسة الاف وخمسمائة وخمسة وخمسون  يوما، قضيت ايامها ولياليها في ذروة اشتداد المعارك ايام الحرب العراقية الايرانية، ولأنني كنت مراسلا حربيا تنقلت خلالها بين الجبهات من اقصى شمال العراق الى اقصى الجنوب، لم أتخلف يوما واحدا أثناء الخدمة، بمعنى اوضح، كنتُ حسب المنطق الرسمي لإية سلطة حكومية، نموذجا للمواطن الصالح.

 

خرجتُ سالما ومعي الاف الجنود من ذلك المشوار المقدَّس، وهو فعلا كان واجبا مقدسا بالنسبة لي، طالما وقفت فيه الى جانب بلدي، ولم يكن يعنيني النظام الحاكم ).

 

كما لوكنّا نقشِّر بطاطا في المطبخ، أو أننا أشباح، لمْ ينتبه لنا احد بعد ان انهينا خدمتنا في الجيش، وكأنَّ ارواحنا الغضة لم تكن على كف عفريت في كل لحظة مرت بنا، فالموت كان له ان ينالنا متى شاء، أما امنياتنا في العيش الآمن فقد تأجلت ثمانية اعوام ونحن ندور في اتعس الاحوال بين الخنادق مثل الدواب.

 

بعد ان انتهت الحرب تم تسريحي من الجيش، فاصبحت على قائمة الخريجين العاطلين عن العمل، في زمن قحط شكلته ارادة مجتمع دولي لم يتردد في ان يفرض حصارا قاسيا على العراقيين جميعا، استجابة للارادة الاميركية على اثر غزو الكويت من قبل نظام صدام حسين عام 1990. لم يخطر على بالي انذاك ان احظى باية مكافأة نتيجة خدمتي النظيفة في الجيش سوى ان يتم تسريحي،هذه الحقيقة ربما لن يصدِّقَها البعض ممن لم يعش تلك الايام، وسيضحكون وهُم يرددون "انت شخص يدَّعي الظهور بصورة الانسان المثالي". مِن المُمكن ان اكون هكذا، ولكني لا استطيع ان انكر انني كنت على تلك الصورة المثالية. إذ لم يكن هدفي سوى ان اسافر بشكل رسمي الى خارج العراق حتى اكمل دراستي العليا التي تحملت مواقف صعبة من اجل تحقيقها، فكل ما كنت اسعى اليه أن لا اكون محسوبا على اية جهة سياسية تعمل مع او ضد النظام عندما تتوفر الفرصة واكون خارج العراق.

 

حلم الدراسة في احدى الدول الاوربية كان المفتاح السحري الذي انتظرته لحل الازمات النفسية التي كانت في كثير من الاوقات العصيبة تغلق المنافذ المضيئة في داخلي.

 

في ذات الفترة التي انهيت فيها الخدمة العسكرية كانت المكرمات من قبل الدولة تنهال على اخرين لاسباب شتى، ربما ابسطها واكثرها وضوحا ان تكون عضوا متقدما في حزب البعث، ومع ذلك لا اذكر ان صرخة احتجاج قد نمت في داخلي انذاك نتيجة هذا التمييز، لانني كنت مقتنعا بخياراتي "المستقلة" التي ابعدتني عن بركات النظام ومهرجاناته التي كان الكثير ممن اعرفهم حريصا على ان يشارك فيها، ولم افتح اية صفحة تعاون او تواطؤ او تخادم معه، لا مِن قريب ولا مِن بعيد، رغم ما أنا عليه من حال  كان اقرب الى ماتحت خط الفقر.

 

ومن تعاسة الحظ في ذلك الزمن المُلتَبَس، والمُتلبِسِ بالخوف والرعب نتيجة اجهزة النظام الأمنية المبثوثة في كل زاوية من زوايا الحياة انَّ من يكون في مثل الموقف المستقل الذي كنت عليه كثيرا ما كانت تثار حوله اقاويل وشبهات من هذا الطرف او ذاك توحي بوجود علاقة سرية تربطه مع اجهزة النظام الامنية،وإلاَّ كيف يكون آمنا وبعيدا عن مضايقته، وتتضاعف قوة الشبهات اذا ماكان من الطائفة التي ينتمي اليها راس النظام وصادف انه يقيم او يدرس او يعمل او يتواجد في وسط اجتماعي معظمه ينتمي الى الطائفة الاخرى التي تعاني من مظلومية السلطة.

 

اليوم، اجمع الصورة المتشظية لهذا الواقع المنظور الذي نعيشه بكل طرائده وصياديه، فتقف امامي جزئية صغيرة استلها من مشهد عام تعصف به الشبهات، شخوصها جماعة (معسكر رفحاء) اولئك الذين  فروا من خدمة الجيش في نفس الفترة التي كنت فيها جنديا اثناء حركة التمرد التي شهدها جنوب العراق عام 1991 والتجأوا الى مخيم  في السعودية اطلق عليه معسكر رفحاء ،وكان من بينهم عدد من المدنيين من النساء والاطفال والرجال معظمهم من الشيعة (يطلق على حركة التمرد تلك مصطلح الانتفاضة الشعبانية من قبل احزاب الاسلام السياسي الشيعية)، بعد العام 2003  كافأهم النظام السياسي في العراق برواتب تقاعدية (2000) دولار شهريا،وقد شمل الراتب كل فرد من افراد عائلاتهم (الزوجة والاولاد والاحفاد، وحتى الزوجات الاجنبيات مع اولادهن واحفادهن)، اضافة الى الامتيازات والضمانات الاجتماعية والصحية والترفيهية، رغم ان جميع نزلاء معسكر رفحاء حصلوا على الجنسية الاميركية بعد ان منحوا حق اللجوء فيها منذ منتصف تسعينات القرن الماضي.

 

كلما اتفحص شاشة الواقع يواجهني سؤال اساسي يمتد نحوي مثل اذرع اخطبوط ،يمسك بي ويهزني بقوه وهو يصرخ بوجهي: لماذا لم تقفز من القارب انذاك؟

 

ولنفرض عاد الزمن بي الى الوراء، وكُنتُ في حالة مواجهة مع ذات الظروف التي شَفَطَت نهر حياتي واحالته الى مجرى يابس، فهل ساسمح لنفسي بان تختار مسار الهروب والقفز من القارب؟

 

حقيقة، لا اعلم تماما في اي موعد ساكون حينها، لكن الذي لا استطيع ان اتفاداه حتى لو عاد الزمن الى الوراء ولاكثر من مرة، هو انني ساحتفظ بحريتي، بعيدا عن سلطة الاحزاب، ولن اسمح للايدلوجيا ان تنحت صورتها على هواها مهما بدت مثالية.

 

المصدر: