رأي

العراق والكويت بين احتلالين

العراق والكويت بين احتلالين

محمد عايش عبداللطيف الكبيسي

غزا صدام الكويت وتغير الشرق الأوسط على أثرِ ذلك الغزو، تحالفت معظم دول العالم لإخراج صدام وجيشه من الكويت ونجحوا في ذلك نجاحاً كبيراً، أثناء وبعد هذا الإخراج، ظهرت الكثير من القصص حول انتهاكات حقوق الإنسان وحقوق البيئة وخرق المواثيق والعهود والاتفاقيات الدولية بمختلف أشكالها وألوانها، منها ما تم تصديقه وتوثيقه وترتب عليه قرارات صادرة من مجلس الأمن تحت البند السابع الملزمة التنفيذ، ومنها ما اكتشفَ زيفها وكذبها لاحقاً، لكن بقيت دون عقاب أو حساب لمزيفيها ومعدّيها، كونها جاءت ضمن الحملة الاعلامية الدولية ضد العراق في ذلك الوقت الذي غزا دولة الكويت واستباحَ سيادتها.

 

حادثة أطفال الخدج التي ظهرت في ذلك الوقت وأُتهمَ بها جنود تابعون للجيش العراقي بانتزاع الأطفال الخدج من حاضناتهم في المستشفيات الكويتية ورميهم على الأرض وسرقت حاضناتهم، تناولها الاعلام العالمي كثيراُ من خلال شهادة الفتاة (نيرة) أمام الكونغرس الامريكي، والتي تبينَ لاحقاً انها بنت السفير الكويتي في واشنطن سعود ناصر الصباح.

 

ثم جاءت قصة نفوق الحيوانات البحرية على ساحل الخليج في الكويت، ونشرت صور لنفوق العديد من الاسماك على الساحل، صدّقَ العالم هذه القصة وتداولتها وسائل الإعلام وترتب عليها أيضاً الكثير من العقوبات الاقتصادية على عموم الشعب العراقي في ذلك الوقت، ليكتشف العالم فيما بعد، كذب وزيف تلك القصة، كون الصور التي تداولها الاعلام كانت لحادثة غرق إحدى ناقلات النفط في خليج المكسيك.

 

بالتأكيد كان  لقناة الـ(سي ان ان) وغيرها من القنوات الفضائية القليلة، التي كانت تبث في ذلك الوقت من خلال العديد من المراسلين الحربيين في الخليج والعراق والشرق الأوسط مثل بيتر ارنت وكرستيانا امان بور، الدور الاكبر في نشر مثل هكذا انتهاكات، استغلت هذه القصة وتناولتها كثيراً إعلامياً، وترتب عليها سياسياً الكثير من التعويضات والعقوبات على العراق، لكنها في فترة لاحقة بعد ان أدت هذه الاكاذيب الغرض، اعترفت هذه الوسائل الإعلامية كذب تلك الحوادث.

 

اليوم يظهر أحد أفراد الشرطة الكويتية الذي كان يعمل في احد المخافر الكويتية عام 1991، ليعترف ويروي قصة كاملة التفاصيل عن قتل واغتصاب خمسين مدنياً عراقياً ودفنهم في مقبرة جماعية في الكويت، طريقة كلامه وتأثره بما حدث وصحوة الضمير التي دفعته للاعتراف تؤشر وربما تؤكد مصداقية الرواية، الكويت التي تاجرت كثيراً إعلامياً ودبلوماسياً أمام العالم بقضايا انتهاكات الجيش العراقي لحقوق الانسان، ترتكب نفس الانتهاكات التي قام بها بعض افراد جيش صدام حسين ابان احتلاله الكويت في عام 1990.

 

قد يبرر البعض هذه الحادثة، ويصفها على إنها حالات انتقامية وفردية لا يمكن السيطرة عليها، ولا علم لدى الحكومة الكويتية بها، نقول ان هذه الحادثة وغيرها من الحوادث التي يتوقع إنها وقعت، والتي لاعلمَ لنا بها،ولا يعلمُها إلا من قام بها وحرضَ عليها، كانت سبباً من ضمن مجموعة أسباب أخرى في إستمرار الحصار الاقتصادي على العراق لأطول مدة ممكنة (13 عام )، ما ادى إلى  وفات عشرات الآلاف من العراقيين بسبب نقص الغذاء والدواء، وزيادة نسبة التعويضات المادية التي أُلزِمَ العراق بدفعها للكويت والشركات الدولية والاشخاص ومازال يسدد المتبقي منها.

 

ماذا يترتب على هذه القصة المروية من قبل أحد افراد الشرطة الكويتية؟ (شهد شاهدٌ من اهلها)، لم تأتِ هذه القصة عن طريق ويكيليكس أو عن طريق تسريبات مجهولة، بل جاءت اعترافاً وصحوة ضمير لأحد أفراد الشرطة الكويتية، الذين كانوا ضمن مجموعة الإعدام، لكنه لم يشاركهم الجريمة حسب إدعائهُ وتحملَ معاناة السكوت، إلى أن استيقظَ ضميرهُ بعد 27 عاماً.

 

الحكومة العراقية بكل مسمياتها، وبرئاساتها الثلاثة يجب ان تكون على قدر كبير من المسؤولية والمصداقية وتدافع عن حرمة الدم العراقي، عليها ان تنظر إلى بقية الدول التي لم تنسَ دماء وضحايا ابنائها،على الرغم من مرور أكثر من 100 عام على وقوع تلك الحوادث، وخير الامثلة على ذلك، قضية الأرمن في زمن الدولة العثمانية، وقضية شهداء الجزائر إبان الاحتلال الفرنسي للجزائر وغيرها من القضايا الاخرى .

 

[email protected]

 

مقالات أخرى للكاتب