رأي

حافَّة الوعي

حافَّة الوعي

سعدون محسن ضمد

يتحدثُ مقال نُشر على موقع ناسا بالعربي بعنوان؛ (النفق الكمومي ومبدأ عدم اليقين)، عن السلوك الغريب لبعض الجسيمات في المستوى دون الذرّي. فلفت انتباهي إلى أن تعامل العلماء مع هذا السلوك يناسب أن يكون مثالاً مهمَّاً على مفهوم (دائرة الوعي المغلقة). وهو مفهوم أوضحت بعض أبعاده في كتابيَّ "هتك الأسرار، وأوثان القديسين"، وفي مقالات سابقة نشرتها على وسائل التواصل الاجتماعي تحت هاشتاگ (#دائرة_الوعي_المغلقة). والذي أقصد به أن الوعي البشري لا يمكن أن يُدرِك مواضيع تقع خارج منظومة المفاهيم التي أنشأها عبر تجربته التاريخية المحكومة بقدرات حواسِّه. وحتى لو حاول ذلك، فانه لن ينجح، وغاية ما سيفعله هو تفسيرات تأخذ مونتها مما يقع داخل حدود دائرته وليس خارجها. أي أنه سيُفَسِّر ما لا يستطيع إدراكه باستعمال المفاهيم والالفاظ التي سكَّها للتعامل مع ما يستطيع إدراكه. ولتوضيح ما اقصده، تعالوا نحلل هذا المقتبس ـ المعدَّل قليلاً ـ مما نُشر في مقال موقع ناسا بالعربي:

 

إن "جُسيمات (ألفا) مرتبطة بالنواة الذريَّة بصورة وثيقة بواسطة القوى النوويَّة القويَّة، ويجب أن تكون عاجزة عن الهروب منها. وبالرغم من ذلك فإنها تتمكن من الهرب بواسطة عملية تُدعى (النفق الكمومي) التي تعتمد على الطبيعة الموجية للجُسيمات. فبسبب الخاصيَّة الموجيَّة للجسيم أو قدرته على أن يتمثل بموجة احتمالية، تتنبأ فيزياء الكم بأن هناك احتمالاً في أن يتمكن الجسيم من عبور حاجز من دون أن يعبره، لأنه لا يملك طاقة كافية لعبوره! وعلى سبيل المثال، هناك احتمال ما، رغم صِغر حدوثه، في أن يتمكَّن إلكترون من تجاوز حقل كهربائي يَصُدُّه عن العبور، ويظهر على الجانب الآخر للحقل من دون المرور به".

 

انتهى الاقتباس، ونلاحظ كيف أن الوعي البشري يتخبَّط وهو يحاول أن يفسِّر ظاهرة تقع في المستوى دون الذري وتتعارض مع النتائج العلمية التي يعتمدها. فهو يقول بان جسيمات الفا ليست مجرَّد جسيمات لأنها جسيم وموجة بنفس الوقت، ثم يؤكد بأنها لا تمتلك القدرة على الافلات من ”القوى القويَّة“ لكنها مع ذلك تُفلِت منها، كما يقول أيضاً بان الجُسيم الذي لم يعبر الحاجز الكهربائي موجودة خلفه، أي أنه عبره في الحقيقة لكن ليس من خلاله.

 

وانا هنا لا اريد ان اناقش في دقَّة هذه الفرضيات أو تفاصيلها العلميَّة، لأنني لست مختصّاً بها ولا تتعدى معلوماتي عنها حدود الثقافة العامَّة. لكنني اريد مناقشة الموضوع من زاوية تحاول أن تقرأ الوعي البشري قراءة انثروبولوجية. فأشير إلى ان المفاهيم المستعملة في هذا المقال وفي غيره مما يتناول هذه المواضيع، كمفاهيم: (جُسيم، موجة، قوَّة قويَّة، حاجز، نفق…. الخ) لا تَمتُّ بايَّة صلة، إلى المجال او الواقع الذي ندعوه بالمستوى دون الذرّي. وهي مؤهلة فقط لإدراك الواقع الذي نَخْتَبره عبر حواسنا. الواقع الذي نواجه فيه جُسيمات نستطيع ادراكها وهي تتصرف وفق ما نألفه ونتوقعه من سلوك ينسجم وقوانين الطبيعة. والسؤال المهم، هو؛ لماذا نستعمل مفهوم الجسيم نفسه في ”المستوى دون الذري“ مع إدراكنا بانه غير مناسب لإدراكه؟

 

السبب ببساطة لأننا نتعامل مع ظواهر تقع خارج مجسّات حواسنا وهي ظواهر تنتج عن أشياء غير مُسَمّاة، وهذه الأشياء تحتاج إلى تسميات، ونحن لا نملك غير اسماء الاشياء التي تعاملت معها حواسنا، كالجسيم.

 

وهنا تبدأ المشكلة، أقصد عندما نكون مضطرين إلى إدراك واقع غير مألوف باستعمال مفاهيم خاصَّة بالواقع المألوف، فتقع المفاهيم ونقع معها في لبس وتشويش شديدين جداً؛ لأن مفهوم الجسيم ليس اسما فقط، ولا هو مجرد مفهوم، ولا يمكن استعماله دون استحضار كامل الحقائق الادراكية والعلميَّة التي ترتبط به، فالجسيم له كتلة ويشغل حيزا ويجب ان يكون من طبيعة واحدة ولا يتواجد في مكانين مختلفين بنفس الوقت ويكون خاضع للقياس والتنبؤ وهكذا. لكن المفارقة تأتي عندما نطبق هذا المفهوم على "شيء" يتصرف بطبيعتين اثنين وليس بواحدة ـ هذا إذا لم يكن يتصرف بطبيعة ثالثة لا نعرفها ـ ويتواجد بأكثر من مكان في نفس اللحظة، ولا يمكن التنبؤ بمكانه وسرعته بنفس الوقت! أي أنه غير قابل للقياس الدقيق. فهل يصح أن نطلق عليه بعد كل ذلك تسمية جسيم؟ نعم يصح، لأن ليس في خزين وعينا الادراكي لا اسم ولا مفهوم يناسب هذا الشيء غير الـ"جُسيم". لكن الأهم من سؤالنا عن صحَّة استعمال المفهوم، أن نسال عن تحقق عملية الإدراك باستعماله؟

 

وفعلاً؛ هل كانت عملية إدراكنا للشيء الذي يسلك سلوكاً غريبا ناجحة؟ الجواب لا، لأننا لم ندركه بل رسمنا صورة مشوهة عن الجسيم الذي نستطيع إدراكه لا عن هذا الشيء. والأمر هنا يشبه إلى حد بعيد محاولتنا رسم صورة عن الإله باستعمال المفاهيم التي انتجناها عبر ادراكنا للإنسان، فكانت النتيجة أننا رسمنا صورة مشوهة عن الإنسان وليس عن الله.

 

هناك مثال آخر ينفع هنا أيضاً، وهو مفهوم "المادَّة المظلمة" الذي سَكَّه المختصون للإشارة إلى ظاهرتين غريبتين، الأولى تتعلَّق بفارق الكتلة في الكون، فالمادة التي نعرفها تتسبَّبُ فقط باقل من نصف كتلة الكون، أما باقي الكتلة فلا يعرف احد السبب الذي يقف وراءه. والظاهرة الثانية تتعلق بوجود ما يُعرقل انجذاب الاجرام إلى بعضها ويساعد على ابتعادها عن بعضها البعض ما يؤدي إلى تمدد الكون. فاقترح العلماء إزاء هاتين الظاهرتين وجود مادّة لا يمكن رصدها تتسبَّب بفارق الكتلة وتعمل على عرقلة عمل الجاذبية! فوقعوا في المأزق الذي أحاول شرحه، إذ أن السبب الذي يقف وراء نقص الكتلة وخلل الجاذبية يقع خارج نطاق دائرة وعينا المُحْكَمَة، ولكي نستطيع إدراكه علينا ان نتخطى هذه الدائرة؛ فهل نستطيع أن نفعل ذلك؟ العلماء الذين حاولوا أن يفعلوا ذلك خرجوا علينا بمفهوم المادَّة المظلمة ليشيروا إلى شيء لا يتصرف كالمادة ولا يمتلك خصائصها، ولا هو كالسواد ولا يمت اليه باي صلة. أي أنهم تحدثوا عن المادة وعن الظلام لا عن ذلك الشيء الذي يتسبب بزيادة الكتلة ويعرقل الجاذبية!

 

في المستوى دون الذري، كما في البعد ما وراء الطبيعي، يقف الوعي البشري عند حافَّة حدوده، ولا يمكن له أن يتجاوزه هذه الحدود قبل أن يعرفها بشكل جيد ويعمل على ترسيمها، ثم ينظر في امكان وعدم امكان تجاوزها. ومفهوم دائرة الوعي المغلقة محاولة اولية في دراسة حدود الوعي البشري وترسيمها.

 

رابط مقال النفق الكمومي:

https://nasainarabic.net/main/articles/view/quantum-tunneling-and-the-uncertainty-principle

 

مقالات أخرى للكاتب