رأي

عن ضيافة اليونسكو

عن ضيافة اليونسكو

أحمد حسن الياسري

في الأسبوع الماضي، حللت ضيفاً على منظمة الامم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) في العاصمة باريس، ممثلا عن صحيفة "العالم الجديد" الالكترونية ومركز "أمارجي" للتطوير الاعلامي، ضمن البرنامج السنوي للصحفيين الزائرين، والذي استمر على مدار ثلاثة أيام بدءا من 17 وحتى 19 كانون الاول ديسمبر الحالي، في خطوة جديدة أكسبتني التعرف على نشاطات هذه المنظمة عن كثب وطبيعة عملها، واقتناص فرصة اللقاء بأهم خبرائها ومناقشتهم بملفات مهمة، إذ استعرضوا لنا خبراتهم في بناء القدرات والتنمية البشرية، وصقل مهارات (الأكاديميين والناشطين)، لاسيما في المناطق التي تشهد مشاكل وأزمات داخلية كالعراق على سبيل المثال.

 

كان البرنامج يضم 11 مشاركاً من الدول الناطقة بالعربية، وكنت الممثل الوحيد عن العراق، بالاضافة لممثلين عن الكويت ولبنان وسوريا والاردن والجزائر وفلسطين ومصر والمغرب والسودان وتونس، وعلى هامش الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية الذي نظمته اليونسكو يوم 18 من كانون الأول ديسمبر في قاعتها المركزية، حضرنا نحن المشاركون البرنامج، جلسات أحاديث الخبراء حول لغة الضاد، والتحديات التي تواجهها، ودورها في صياغة الهوية العربية، وعمقها الإنساني والتاريخي والحضاري العريق، مؤكدين أثرها في العديد من اللغات الأخرى، الفارسية والتركية والاسبانية والكشميرية والكردية والبوسنية والكازاخستانية والبنغالية والهندية والماليزية والملديفية والاندونيسية والبنجابية، كما استعارت العربية كلمات من لغات اخرى بما في ذلك اليونانية والفارسية في العصور الوسطى واللغات الأوروبية المعاصرة مثل الانكليزية والفرنسية في العصر الحديث. 

 

تم تسليط الضوء خلال المؤتمر على استخدام اللغة العربية في الحياة اليومية، إذ بات جليا أن الإنكليزية هي السائدة بين أوساط الشباب العربي، من خلال تصاعد نسبة استخدام اللغة الانكليزية في 2017 التي بلغت 68 بالمئة، مرتفعة عن 62 بالمئة في 2016 وعن 56 بالمئة في 2015، وهو ما يعكس تنامي اهتمام الشباب العربي باللغة الانكليزية في الحياة اليومية.

 

وخلال الايام الثلاثة، حظيت بفرصة الاطلاع على المبادرات والمشاريع الستراتيجية لـ"اليونسكو"، منها ما يتعلق بالعراق من قبيل "احياء روح الموصل" الذي يتضمن إصلاح وإعادة تأهيل التراث الثقافي وتجديد حيوية المؤسسات التعليمية والثقافية في هذه المدينة المنكوبة، فضلا عن استعرض مشاريع تطوير المناهج الدراسية، وفق المعايير الموضوعة من قبل اليونسكو.

 

وأثناء تواجدي في أروقة اليونسكو، اطلعت على سبل مواجهة الأخبار الكاذبة والمعروفة عالميا بـ"FAK NEWS" عبر مناهج علمية، تم التأكيد على اتباعها في مناهج كليات الاعلام، كما ان سلامة الصحفيين في مناطق النزاع، أخذت مساحة واسعة في الحديث والنقاش، إذ أن الفقر المعرفي أودى بحياة العديد من المراسلين والمصورين إثر تغطيتهم أحداثا في مناطق تشهد نزاعات مسلحة واحتجاجات شعبية، دون الاخذ بنظر الاعتبار معايير الوقاية.

 

وتم التركيز أيضا على حرية التعبير والصحافة باعتبارها مادة مهمة تقع في قلب رسالة "اليونسكو"، وحرية أساسية منصوصا عليها في المادة 19 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان، لأن القانون التأسيسي لمنظمة الامم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) المعتمد في 16 تشرين الثاني نوفمبر 1945 يولي في مادته الاولى حرية التعبير مهمة "تسهيل حرية تبادل الافكار عن طريق الكلمة والصورة".

 

اللافت أن (دليل السلامة للصحفيين) الذي تم توزيعها علينا، أوضح أن 95 بالمئة من الصحفيين الذين قتلوا أثناء أداء مهامهم هم صحفيون محليون، وأن معظمهم لم يقتلوا في مناطق صراع مسلح، بل بتغطيات محلية أخرى، وأن السنوات العشرة الماضية شهدت مقاضاة 6.6 بالمئة من المتورطين بحالات القتل تلك، الأمر الذي يؤشر معدلا كبيرا في حالات الإفلات من العقاب تصل الى أكثر من 90 بالمئة، ما يؤدي عمليا الى ايصال رسالة مدمرة للمجتمع ان اغتيال صحفي لإسكاته، ووفقا لذلك، ان اليونسكو لها خطة عمل تهدف الى رفع مستوى الوعي العام حول مسالة سلامة الصحفيين.

 

أما المحتوى الخبري سواء المطبوع أو الالكتروني أو المرئي والمسموع، فقد شغل حيزا مهما في النقاش بسبب عدم مراعاة بعض المحررين للمصطلحات المسيئة، إذ أن هدفهم السامي تحقيق الشهرة وإحداث الدهشة في الرأي العام، ويضربون بعرض الحائط كل المعايير البنود والالتزامات الاخلاقية، حيث يذهب الكثير من القراء العرب ضحية تلفيقات وأكاذيب، وهذا ما يسعى مركزنا (امارجي) لمكافحته من خلال تقديم صحفيين قادرين على تطهير وسائل الاعلام العراقية من التلوث وإرجاع ثقة الرأي العام وتعزيزها أكثر، لأن هذا المزيج السام من التكنولوجيا الرقمية وغياب الضمير السياسي والاستغلال التجاري لمشهد الاعلام الجديد أدى الى زعزعة منظومة الاعلام الجماهيري وإنهاكها، حيث أبدى خبراء اليونسكو تفاعلا أكبر مع جهودنا الرامية لارشاد الصحفيين على قيم الصحافة الحرة مثل الحقيقة والدقة والاستقلالية والمعالجة المسؤولة للخبر.

 

وكان هناك زاوية مهمة للنقاش حول جهود اليونسكو في ترسيخ مبادئ السلام وإشاعة ثقافة اللاعنف والمساوة بين الجنسين والتشجيع على التعليم ومكافحة خطاب الكراهية وكفاءات التفاعل بين الثقافات والتغطية الاخبارية المراعية لحساسية النزاعات، ورسالة اليونسكو عن حقوق الانسان وعودة الى المستقبل والتسامح بالكلمات.

 

وفي ظل تردي التعليم في العراق، تؤكد منظمة اليونسكو أن المدارس ومؤسسات التعليم لا تمنع فرداُ من ارتكاب فعل عنيف باسم إيديولوجيا متطرفة غير أن توفير تعليم جيد قد يساعد على خلق الظروف التي تحد من تكاثر الايديولوجيات والأفعال المتطرفة العنيفة، وبالتالي عدم تحول أماكن التعليم الى ارض خصبة للتطرف العنيف، بما يضمن مساهمة المحتويات التعليمية في تطوير مناعة المتعلمين حيال التطرف العنيف.

 

مقالات أخرى للكاتب