رأي

عين الاسد ورؤساء امريكا والسيادة العراقية

عين الاسد ورؤساء امريكا والسيادة العراقية

محمد عايش عبداللطيف الكبيسي

في ثمانينات القرن الماضي شيدَ اليوغسلاف لحساب الدولة العراقية قاعدة (عين الاسد)، أملاً في أنّ تكون منطلقاً لطلعات جوية محتملة للقوة الجوية العراقي ضد اسرائيل في ذلك الوقت، تمَ تصنيف هذه القاعدة في حينها بكونها واحدة من افضل القواعد الجوية في العراق، وما يميزها أيضاً أنها قد تكون القاعدة الوحيدة التي بناها العراقيون أنفسهم في المنطقة الغربية، ولم تكن إرثاً أو مُخّلفاً من مُخلفات الاستعمار البريطاني في العراق، الذي شيدَ العديد من القواعد الجوية وأهمها قاعدة الحبانية الجوية وقاعدة الـ(أيج فور)، وقاعدة (أيج ثري) في صحراء الانبار.

 

قَصفتْ امريكا في حرب الخليج الثانية عام1991 تلك القاعدة، ودمرت مدارجها ومخابئ طائراتها وبنيتها التحتية، لكن عين الأسد استعادت عافيتها مرة أخرى في التسعينيات من القرن الماضي. وفي عام 2003، استولى عليها الامريكان وجعلوا منها واحدة من أهم القواعد الامريكية الحصينة في العراق، وكانت تضم معظم التشكيلات الامريكية من المارينز والقوة الجوية والبحرية وفيلق المهندسين وفريق الاعمار الامريكي بالإضافة إلى كل الشركات والمؤسسات المدنية الامريكية العاملة في العراق.

 

أول الرؤساء الأمريكيين الذين زاروا تلك القاعدة هو الرئيس جورج دبليو بوش الابن، محتفلاً بالنصر الذي حققتهُ القوات الامريكية على تنظيم القاعدة الارهابي وفصائل المقاومة الاخرى، التقى هناك رئيس الوزراء نوري المالكي والشيخ عبد الستار أبو ريشة قائد قوات الصحوة في العراق، عُدتْ تلك الزيارة في ذلك الوقت الصعب الذي كان يمر العراق به على إنها زيارة استثنائية، وتم استثمار نتائجها سياسياً وإعلامياً على الصعيد المحلي والدولي، ولم يثر حولها اي لغط بخصوص انتهاك السيادة لأن العراق أصلاً كان محتلاً من قبل قوات التحالف.

 

ثم جاءت زيارة الرئيس الامريكي السابق باراك اوباما للعراق في عام 2009، والتقى في تلك القاعدة رئيس الوزراء نوري المالكي والجنود الامريكيين، ومرت تلك الزيارة بسلام ولم تحدث أية شوشرة إعلامية تقلل من هيبة العراق وسيادتهِ.

 

بالأمس القريب جاءَ ترامب مواصلاً سلسلة الزيارات لهذه القاعدة ليبعث برسائل تربك الوضع العراقي الحكومي والشعبي، دخول وخروج الاراضي العراقية وبدون اللقاء مع احد من قادة العراق يجعل الامر مُربكاَ ومُحيراً، لا يمكن العبور على تلك الحقيقة مهما كانت المبررات الخجولة التي اعلنتها الحكومة العراقية من إنّ لقاء عبد المهدي مع ترامب الغيَ لعدم حصول التفاهم حول مكان اللقاء، مكتفياً بمكالمة هاتفية.

 

قد يكون سبب توجه الرؤساء لهذه القاعدة الواقعة في فم الصحراء الغربية، تخوفاً من إستهداف مباشر لهم من قبل المجموعات المسلحة الموالية لايران أو من قبل الجماعات الإرهابية.وقد يكون السبب ايضاً، إنّ هذه القاعدة تضم أكبر تواجد امريكي عسكري وأمني ومدني لها في العراق، يشمل جنرالاتها العسكريين بالإضافة إلى قسم كبير من موظفي وزارة الخارجية الامريكية ومنتسبي وكالة الإستخبارات الامريكية المركزية، ونظراً للتقاليد الامريكية العريقة التي إعتاد الامريكان ممارستها منذ الحرب العالمية الأولى التي تتعلق بقيام رؤساء امريكا بزيارة القواعد العسكرية المنخرطة بالحروب ومشاركتهم أعياد الميلاد ورأس السنة، لذا فإن تكرار زيارة عين الاسد من قبل رؤساء امريكا يميزها ويجعلها القاعدة الامريكية الأهم في العراق والقاعدة التي يمكن أنّ تلعب دوراً كبيراً في سياسة امريكا (ترامب) القادمة في الشرق الاوسط.

 

التصعيد والنفخ في النار وخلق أزمة داخلية، خيارات غير مجدية، وقد تقودنا إلى أنّ نكون رأس حربة في حرب متوقعة الحدوث في المنطقة لا ناقة لنا بها ولا جمل، ومن يظن إنّ عملية المقاومة وضرب القوات الامريكية هي الرد الصحيح فهو مخطئ، لا يمكن ان نخوض حروب جديدة بالإنابة.القضية تحتاج إلى فك ارتباط القرار العراقي عن سيطرة وتأثير محيطه الاقليمي. ولكي نتخلص من التبعية، يجب أنّ يحدث التغييروالتصحيح،وبعدها نستطيع ان نغلق الباب بوجه ترامب.

 

[email protected]

مقالات أخرى للكاتب