رأي

أنا أتحداكم وهذه تحدياتي

أنا أتحداكم وهذه تحدياتي

سعدون محسن ضمد

التحدي الأول: وهم الإضاءة

المكان المضيئ يُمثِّل واحداً من أكبر الأوهام التي عمَّمها الوعي البشري على الواقع الموضوعي الخارجي، فهذا الوعي لا يتخيَّل أن يكون الواقع من حوله، لا مضيئاً ولا مظلماً بنفس الوقت، لماذا؟ لأنه يدرك هذا الواقع عبر تحسس عينيه للضوء، والضوء كما تعلمون هو طيف محدود من الموجات الكهرومغناطيسية نستعمله في رسم صورة الواقع بغرض دعم قدرتنا على البقاء فيه، ولذلك فهذه الصورة تتضمن الاشكال والابعاد والزوايا والمسافات والمساحات، وهي مواصفات تضمن الدقة والمرونة في الحركة والتنقل للحصول على الموارد. ولأن الخفاش يستعمل اطوالاً معينة من الموجات الصوتية لرؤية الواقع، لذلك فالمشهد المرسوم في مخِّه لا يشبه المشهد الذي نراه. وهاذان المشهدان لا يشبهان المشهد المرسوم في مخ الأفعى عندما تستعمل الأشعة تحت الحمراء اثناء التنقل بالأمكان ”المظلمة“. وكل هذه المشاهد لا تتاطبق بشكل تام مع الواقع الموضوعي. والمشكلة ليست هنا، المشكلة في التعميم. بالأحرى المشكلة في معرفة الكثير منّا بان المكان المضيئ ليس حقيقة موضوعيَّة بل ذاتيَّة، أي أنه غير موجود إلا في عقولنا، ومع ذلك لا نستطيع أن نتخيل وجود مكان لا يكون مضيئاً أو مظلماً، هل تستطيعون أن تفعلوا أنتم؟ حسن انا اتحداكم جميعاً في أن تتمكنوا من تخيل المكان من حولكم بالصورة التي هو عليها، أي لا هو مضيئ ولا مظلم، ثم ترسموا مشهداً إدراكيَّاً لأشكال الموجودات التي فيه لكن من دون استعمال حاسَّة البصر.

 

التحدي الثاني (وهم الحياة):

عندما نقول بأن عمر الكون هو (13.8) مليار سنة، فإننا نقصد بانه مضى على الكون منذ نشوئه وحتى الآن ما يعادل (13.8) مليار دورة من دورات الارض حول الشمس. أي أننا نستعمل أداة قياسنا للزمن في حساب عمر الكون، مع علمنا بأن هذا النموذج في قياس الزمن مرتبط بظروف الأرض، فاليوم يمثل تمام دوران الارض حول محورها، والسنة تمام دورتها حول الشمس. ومثل هذا التعميم طبيعي ومقبول إلى حد ما، ومثله الكثير من التعميمات الأخرى. لكن التعميم غير المقبول هو تعميمنا لنموذج ”الحياة الأرضية“، وجعله النموذج الوحيد للحياة الذي يمكن وجوده في جميع أرجاء الكون!! وهو تعميم تحدَّثت عنه كثيراً لأهميته ولأنه يكشف جانباً مهماً من حدود الوعي البشري. وهو تعميم ناشئ من عدم قدرتنا على تخيل أي شكل للحياة يكون مغايراً للنموذج الأرضي، الذي نحن عليه. مع علمنا بأن شكلنا هذا تكوَّن على الارض وبالانسجام مع ظروفها البيئية! ولهذا السبب ترانا ونحن نبحث عن الحياة في الكواكب الأخرى نستبعد الكواكب التي لا تكون ظروفها البيئية داعمة لنموذج الحياة الأرضي! وعندما يعترض انصار حماية البيئة، على التلوّث الذي يسببه احتراق مسبار ما في الغلاف الجوي لكوكب مليئ بالميثان، مثلاً، نرد عليهم بأن الامر لا يشكل خطراً فعلى كل حال هذا الكوكب غير قابل للحياة لخلوّه من الاوكسجين! فهل يكفي افتقار الكوكب للاوكسجين سبباً لانعدام اي فرصة للحياة فيه؟ أم لانعدام فرص حياة النموذج الأرضي؟

وهذا هو موضوع التحدي الثاني، فأنا اتحداكم جميعاً في أن تتخيلوا كائناً حيّاً وفق نموذج لا يمتُّ بأي صلة للنموذج الأرضي؛ أي لا يشبه الحيوانات ولا النباتات.

 

التحدي الثالث (وهم الوعي):

ما هو الوعي البشري؟ هو، فعّالية يُدْرِك بها الكائن البشري المحيط من حوله، من أجل دعم قدرته على البقاء فيه. أي أن هذه الفعالية لا تختلف كثيراً عن عمليات الايض، والنمو، والحركة. وكل الحمولات ”الاعتبارية/ العاطفية“ التي نُكِنُّها لفعاليَّة الوعي، خارج كونه فعالية مكرَّسة لإدامة البقاء، هي حمولات ذاتيَّة بشريَّة وليست موضوعيَّة. وكما أن الجسد البشري، والحيواني أيضاً، مبني ليتوافق مع الموارد المتاحة على كوكب الأرض، فإن الوعي البشري مبني كذلك ليمارس نشاطه الإدراكي باستثمار ما متاح على الارض مما يمكن استعماله للتحسس، كالضوء والصوت. لكننا، ومع علمنا بهذه التفاصيل، وبسبب عدم قدرتنا على تخطي تجاربنا نعتقد بأن النموذج الوحيد القادر على ”إدراك“ المحيط هو النموذج البشري. أي الـمُكوَّن من المخ والحواس ثم العقل!

 

على هذا الأساس ترانا نعتقد بأن الأفعال المرتبطة بغايات لا يمكن أن تصدر عن كائن غير واع، ونحن نقصد طبعا كائن يستعمل نموذجنا في الإدراك والوعي. والسبب أننا لا نستطيع أن نتخيل أي نموذج مغاير لهذا النموذج، هل نستطيع؟ حسنٌ، أنا اتحداكم في أن تتمكنوا من تخيل أيَّ نموذج للوعي يكون مغايراً بشكل جذري للنموذج البشري.

 

الغرض من هذه التحديات الثلاث ليس فعل التحدي في ذاته، ولا حتى في محاولة أي منكم كسره، بل الغرض الذي اسعى إليه هو الكشف عن التضليل الذي تمارسه علينا محدودية وعينا، فهذا الوعي وكما قلت في مقال سابق، وبسبب حدوده غير القابلة للتجاوز، يحبسنا في ما يشبه الجزيرة المنقطعة، والتي يتحكم بها وحده، ويحدد وحده ما يوجد وما لا يوجد فيها. وكل ما نعتقد بأن هذا الوعي وهبنا إياه على صعيد المعارف وسواء أكانت في الإلهيات أم في الطبيعيات، هي معارف زائفة إلى حد كبير، ومرتبطة بتجربتنا الأرضية ومحكومة بها. نحن محبوسون يا أصدقائي في سجنٍ مُحْكَم، نحن فيه السجّان والسجين في نفس الوقت.

مقالات أخرى للكاتب