رأي

عبدالمهدي وسياسة الاحتواء والانفتاح

عبدالمهدي وسياسة الاحتواء والانفتاح

محمد عايش عبداللطيف الكبيسي

يبدو عادل عبد المهدي رئيس مجلس الوزراء العراقي هذه الايام، وكأنه يدير شركة تجارية جديدة تحاول إرضاء جميع العملاء مهما كانت نواياهم وأهدافهم، وذلك من خلال الخطاب الهادئ المطمئن الذي يسعى إلى زج الجميع بسباق للتنافس لنيل رضا وقبول الشراكة معه، بشركاء جادين قادرين على الاعتراف بثقل العراق إقتصادياً وسياسياً على المدى القصير والمتوسط والبعيد.

 

يحاول عبد المهدي تدشين ستراتيجية خروج آمنة من البوابة الأنسب، والتي تبدوللوهلةِ الاولى إنها بداية متخاذلة إنهزامية أمام التحديات التي تواجهه، لكن هذه البوابة حسب تفكيروتخطيط عبد المهدي تضمن بنسبة كبيرة نجاح مسيرة الاصلاح، التي ينبغي لها ان تحدث باجواء هادئة تساعد أولاً على إطفاء الحرائق ومن ثم بدء خطوات تؤسس لستراتيجية خروج أمنة.

 

عبد المهدي على الصعيد المحلي يحاول وضع الكرد في الجانب الآمن بعد الاستجابة بتخصيص كل ما طلبوه بموازنة 2019، يمكن تفسيرخطوة إرضاء الكرد وحل القضايا العالقة معهم على حساب بقية أجزاء العراق بإعتبارها تساعد إنطلاقة عبد المهدي فيما يخص الإصلاح والتنمية الاقتصادية، لإنها ببساطة ستجعل من الكرد أكبر الداعمين لكل خطواته القادمة، وهذا عكس ما كان يحدث في حكومات العبادي والمالكي.ونراه أيضاً يسمح ويقبل بما ترشحه الكتل السياسية من وزراء لتشكيل حكومته التي لم تكتمل إلى حد هذه اللحظة، معتبراً إكتمالها من عدمهِ لا يؤثر كثيراً على ستراتيجيته التي تتطلب بيئة هادئة.

 

اما على الصعيد الاقليمي فإنه يتحرك بهدوء وعقلية مشابهة للطريقة التي يتعامل بها مع الكرد، فهو يسعى إلى تصفير المشاكل مع الجميع وزجهم في مارثون للوصول الى الشراكة الانسب للعراق. محاولةإرضاء السعودية وايران في آن واحد تعتبر واحدة من أهم ألخطوات التي يسعى عادل عبد المهدي الى تحقيقها، عادل عبد المهدي يؤمن بان إرضاء السعودية سيخفف من الضغط الامريكي عليه ويمنحهُ فرصة أفضل للمناورة والتعامل مع الضغوط الايرانية التي تكاد تلزمهُ بضرورة ضرب المطالب الامريكية عرض الحائط والسير بالطريق الجديد الذي ترسمه ايران لإنعاش الإقتصاد العراقي والإيراني معاً،وبالتالي ظهور الفسحة الايرانية للخروج من ازمة العقوبات الامريكية.

 

ضمن ستراتيجيته ايضاً، تظهر محاولة ترحيل أو تأجيل عملية مواجهة التحديات الامنية والطائفية، أهم تلك التحديات هي كيفية إرضاء السنّة الذين فقدوا الكثير من قوتهم وهيبتهم؟ وكيفية وضع حد لتدخل الميليشيات وبعض فصائل الحشد الشعبي في مفاصل الدولة؟ يعتقد عبد المهدي ان البدء بمواجهة هذه القضايا حالياً سيكون على حساب التنمية الاقتصادية التي يسعى لها وعلى حساب خطوات الإصلاح المتمثلة بالقضاء على الفساد. معتقداً ومتفهماً أن السنّة أصبحوا غير قادرين على ممارسة اي نشاط سياسي او جماهيري يهدد أمن حكومة عبد المهدي مثلما كان يحدث في السابق، لذا فان ترحيل حل قضيتهم إلى مرحلة ما بعد تحقيق التنمية الاقتصادية والإصلاح أصبحت محسومة، وبالمثل ايضاً سيتم التعامل مع قضية الحد من تدخلات وتجاوزات الفصائل المسلحة إلى ما بعد تحقيق الطفرة الاقتصادية التي يعتقد عبد المهدي انها ستكون حلاً لجميع القضايا التي تهدد إستقرار وأمن العراق.

 

بهذه الخطوات غير المفهومة للكثير من المراقبين يجد عبد المهدي نفسه واقعاً تحت طائلة النقد الجارح والمطالبة بحل حكومته من قبل البعض، لكن هناك القليل ألذي من الممكن أن يزداد عدده مع الوقت، بدأ يتفهم ويتعامل مع واقعية عبد المهدي ومحاولتهُ تدريجياً فك القيود المكبل بها من قبل الأحزاب المشاركة في الحكومة، والتي اصبح واضحاً وجلياً إنها تُسيّره بما تريد وتمنح له فرص محدودة للتغيير. واقعية عبد المهدي تجعل منه راضياً قانعاً بهذه الفسحة وغير متمرد في العلن على ضيق الفرص وكثرة الإملاءات.

 

وضع معقد وشائك يحاول عبد المهدي النفوذ من خلالهِ بإقل الخسائر، محاولاتهُ الجادة وممارستهُ لسياسة الصبر الستراتيجي تمنحهُ وقتاً لا بأس به يستطيع من خلاله إقناع جمهور متعطش لرؤية مشهد عراقي جديد متفائل.واقع عراقي مرير وقاس،لكنه يؤشر أن عبد المهدي يمارس ستراتيجية إصلاح يمكن لها أن تحقق الحد الادنى من أهدافها، متجنباً من خلالها السقوط والإنجرار إلى وضع غير معروف نتائجه.

 

[email protected]

 

مقالات أخرى للكاتب