رأي

إيران تبحث عن الحل في الخليح

إيران تبحث عن الحل في الخليح

محمد عايش عبداللطيف الكبيسي

مع الكثير من التعنت والعنجهية التي تعودت إيران إبرازها تجاه دول الخليج، تجد نفسها اليوم تجنح قليلاً وتغازل هذه الدول من خلال عقد اتفاقيات عدم اعتداء معها، تذكرني هذه الدعوة باتفاقية عدم الاعتداء التي وقعها صدام حسين مع السعودية في ثمانينيات القرن الماضي قبل غزوه الكويت. صدام عندما طلب توقيع تلك الاتفاقية فاجأ الدول الخليجية بهذا الطلب الغريب في حينه، كون السعودية ومعظم دول الخليج كانوا من الداعمين للعراق في حربهِ مع إيران، لكنه كان يخفي خلف تلك الإتفاقية مغامرة غزو الكويت التي كان يظن انها ستمر بتوقيعه هذه الاتفاقية.

 

إيران اليوم تبحث عن حلول تجنبها الحرب مع الولايات المتحدة الامريكية وحلفائها، حتى لوكانت هذه الحلول مرة وطعمها طعم العلقم، وكعادتها إيران عندما تُحرج كثيراً وتَضيق بها السبل تلجأ إلى أصعب الخيارات في قاموسها وأنسبها في قاموس الغير، كلنا نتذكر مقولة الخميني عام 1988 عندما أنهى حرباً ضروساً مع العراق قتلت الملايين من الطرفين، أنهاها بعبارتهِ المشهورة (كأنّي أتجرع كأساَ من السم).

 

إيران تسعى من خلال توقيع مثل هكذا إتفاقيات للتخفيف من حدة وقوة الهجمة المتوقعة ضدها، إيران تعي جيداً أنَّ مفاتيح أزمتها ليست بيد تلك الدول لكنها تكسب من خلال هذه الاقتراحات موقفاً داعماً لها وتُحسّن من صورتها لدى هذه الدول شعبياً ورسمياً، واقتراحها هذا قد يغير ويبعثر خطوات تلك الدول ضمن التحالف الامريكي الاسرائيلي في المرحلة القادمة اذا ما طالت الازمة.

 

دول الخليج كانت ستفرح كثيراً بهذا المقترح لو تقدمت به ايران قبل عام أو عامين من الآن، أمّا في هذا الوقت فان هذه الدول رهنت نفسها ومقدراتها بقطار امريكا القادم نحو الشرق الاوسط مرة ثانية،قادماَ بسكة ترامبية مصلحية لا يوقفه إلا المزيد من الاموال والمكاسب التي تملأ عرباته وفاركوناته، والتي تسعى ادارة ترامب جنيها من خلال تصعيدها السياسي والاقتصادي والعسكري على مختلف الاصعدة.

 

على الرغم من ذلك يبقى المقترح الإيراني بتفاصيله مؤثراً في الدول الخليجية ودافعاً لها نحو دراسته طويلاً والرد عليه ضمن القنوات السرية، على الرغم من أنه جاء هذه المرة علنياً على لسان جواد ظريف من العراق، مقترح قد يسيل لعاب تلك الدول إذا ما تأكد لها أنّ إيران ساعية مرة اخرى في تاريخها الحديث إلى تجرع السم.

 

مع الوقت قد تضطر إيران إلى تقديم الكثير من التنازلات التي تحاول بها إرضاء دول الخليج والمنطقة، واهم تلك التنازلات أن تبدأ إيران أو تكون بدأت مفاوضات سرية مع دول الخليج هذه المرة وليس مع اميركا في الدرجة الاولى، في محاولة منها للحصول على تنازلات من داخل التحالف الامريكي الخليجي ومن أضعف الحلقات في التحالف وهي دول الخليج،كون أميركا واسرائيل هما الحلقتان الأقوى في التحالف الساعي الى إجبار إيران إلى الانصياع لشروط امريكا المعلنة.وهذا بالتأكييد اذا ما نجحت إيران به سيؤثر كثيراً على المواقف الامريكية ويؤخر كثيراً من قراراتها الحاسمة تجاه إيران وقد يعزل امريكا مع اسرائيل في مواجهة عالم اكبر وأوسع من المعارضة.

 

أهم تلك الملفات التي قد تلجأ إيران إلى فتحها مع السعودية والامارات والبحرين،هي ملفات معقدة وشائكة وتسبب صداع حاد لدول الخليج منذ عقود طويلة، ألا وهي ملف شيعة البحرين والحوثي في اليمن والجزر الاماراتية المحتلة، إيران قد تلجأ إلى التخلي عن الساحة اليمنية وتجبر الحوثيين إلى تسلييم السلطة للشرعية وهناك مؤشرات عديدة لحدوث مثل هكذا تناغمات او تفاهمات بين دول الخليج وأيران، وما انسحاب الحوثي من الحديدة إلا احد تلك المؤشرات.

 

أما فيما يخص البحرين فالمسألة تكاد تكون أبسط من قضية اليمن،إيران سوف ترسل رسائل إطمئنان للقيادة البحرينية والسعودية بسعيها إيقاف دعم القوى الشيعية المعارضة ولو مؤقتاً،تبقى قضية الجزر الاماراتية، فأن اتخاذ قرار بشأنها يبقى من أصعب القرارات لإيران كون ان هذه الجزر في نظر إيران اصبحت جزء من الجمهورية الاسلامية ومضى على ضمها اكثر من أربعة عقود من الزمن.

 

الشيء الثابت والواضح لدى ايران انها لن تتخلى عن جبهة العراق وسوريا ولبنان التي تعتبرها من اهم المناطق الجيوسياسية الايرانية الخاضعة لها والتي لا يمكن التفريط بها بالمساومات او المفاوضات العادية.

 

يبقى هذا كله متوقع الحدوث إذا ما إستثنينا الدور الامريكي والفيتو الذي سوف تلجأ اليه الادارة الامريكية، والذي يجعل من تنفييذ هذه الخطوات مرهون بإنصياع إيران الكامل لشروط أمريكا الاثنى عشر.

 

 

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لـ"العالم الجديد".

 

مقالات أخرى للكاتب