رأي

السياسة السُنًية العراقية في مأزق خطير

السياسة السُنًية العراقية في مأزق خطير

محمد عايش عبداللطيف الكبيسي

يبدو أنً غياب المنافسة مع الاطراف الشيعية والكردية أو انحسارها في الوقت الحالي، فتح المجال واسعاً لظهورالتنافس التسقيطي داخل المكون السني، كما أن هروب قادة السنة الكبار خارج العراق، خلق فراغاً كبيراً وأدى إلى ظهور زعامات جديدة استطاعت ان تستحوذ على المناصب المخصصة للمكون السني.

 

أكثر ما يقلق في الوضع السني الحالي قيام قادتهُ بنقل خلافاتهم من السر إلى العلن، وتدشين مرحلة من التسقيط اللاخلاقي تمارسها الأطراف المتنافسة، وما تصريح احمد الجبوري لقناة العهد إلا مثالاً واضحاً لهذا النوع او الفن الجديد من التحارب داخل المكون السُنًي، وما ردة فعل الاطراف الاخرى على تخرصات ابو مازن إلا فناً أو أسلوباً جديداً إقتنصه الغرماء وأستدعتهُ الحاجة لترميم وتجميل وترقيع الواقع المعيب لسياسي السُنًة.

 

من ينظر الى الوراء ويقارن بين فترة ماقبل احتلال داعش  للمحافظات السنية وفترة ما بعد تحرير تلك المحافظات من داعش، سيكتشف بسهولة الفرق الكبير بين الفترتين الزمنيتين، ويلاحظ إنً السُنًة كانوا أقوياء في الفترة الاولى ومتحدون نوعاً ما في جبهات متعددة أهمها جبهة التوافق 2006 وإئتلاف العراقية 2010 ومن ثم كتلة متحدون 2014، السياسة السُنًية ضمن تلك التحالفات كانت اقوى واكثر قدرة على الوقوف امام الشركاء في العملية السياسية.

 

كانت رئاسة مجلس النواب تشكل مصدر قوة للسُنًة،واستطاع من تبوأ ذلك المنصب منذ عام 2006 لغاية 2014 ان يفرض نفسه كشريك في العملية السياسية ولو بحدودها الدنيا، وهم على التوالي محمود المشهداني الذي أقصيَ بسبب معارضتهُ للضغوطات التي كانت تُمارس على السُنًة، يضاف إلى ذلك أسامة النجيفي الذي يعتبر افضل من قاد السُنًة بهذا المنصب، وخروجه من هذا المنصب يُعدْ خسارة كبيرة لسياسي السُنًة في البرلمان.

 

بالإضافة إلى ذلك إنً السُنًة كانوا يديرون وزارت مهمة، منها وزارة المالية، وكان بامكانهم الاحتفاظ بوزارة الخارجية لولا تنازلهم للاكراد عنها، وكانَ بالإمكان ايضاً الاحتفاظ بمنصب رئاسة الجمهورية قبل أن يتخلوا عنه للإكراد، لحل ازمة كادت تعصف بين الزعامات الكردية، لكنهم في النهاية اقتنعوا إنً منصب رئاسة مجلس النواب اكثر نفعاً من منصب رئاسة الجمهورية الذي لا يعطيه الدستور العراقي الجديد أكثر من التوقيع الشكلي على المراسيم والقرارات المتخذة من البرلمان والحكومة الاتحادية، فترة يمكن وصفها وتسميتها بفترة (المشاركة والقدرة على التنافس والمطالبة بالحقوق).

 

أما بعد 2014، بدأت مرحلة جديدة للسُنًة تميزت بالضعف والخذلان لجماهيرهم على كل المستويات، حيث تقلصت مناصب السُنًة وسُحبت منهم وزارة المالية واستبدلَ النجيفي بسليم الجبوري الذي كان دوره بائساً جداً من خلال ربطهِ مصير السُنًة بالاملاءات والاسطفافات الجديدة التي مارستها كل من القوى الشيعية المتنفذة داخل العراق وإيران خارجهُ. وبدأت أولى مشاكسات وتصادمات السُنًة العلنية فيما بينهم، عندما أتهم وزير الدفاع خالد العبيدي داخل قبة البرلمان رئيس البرلمان سليم الجبوري  بسرقة أرزاق المقاتلين في الجيش العراقي.

 

لم تنته القصة، بل تطورت كثيراً واستشعرَ العراقيون جميعاً مدى ضعف سياسيو السُنًة، الذين اصبحوا خارج حسابات جميع القوى السياسية ،وفقدوا سيطرتهم على معاقلهم المهمة في محافظاتهم، أهمها نينوى وصلاح الدين وديالى وكركوك وربما الانبار، وباتت هذه المحافظات يتقاسمها جمعٌ من القوى السياسية الكردية والشيعية والسُنًية المتنافسة . بل ان الإستهانة والإستخفاف بمكون السُنًة، بدتا ظاهرتان على محيا السياسيين والاعلاميين وعامة الناس.

 

تعمقت الخلافات بينهم وأصبح اللعب على المكشوف في الكثير من الميادين ،يتكلمون باسم السُنًة ويتقاتلون فيما بينهم على المناصب والمكاسب، مناصبهم التي يتقلدونها عبارة عن مناصب شكلية، ما يمتلكه السُنًة في الدولة العراقية عبارة عن مناصب عليا وهمية، كمنصب رئيس البرلمان، ووزراء لا يمتلكون إلا القليل من وزاراتهم، الوزير لا يملك من الوزارة اكثر من الجلوس في مجلس الوزراء وتمثيل الوزارة هنا وهناك وتقاسم ما تبقى له من فتات وزارته التي هي اصلاً يستحوذ عليها الغير.

 

افضل ما يمكن أن نصف به سياسيي السُنًة في الوقت الحالي، انهم  ينقسمون الى قسمين، الاول هم من السياسيين الجدد الذين يحلمون بالسيطرة على المناصب والمكاسب بمشاريع اعلامية ونظرية لم يلمس منها المواطن منها اي شيء على أرض الواقع، وللعدالة في الطرح ،لم تتاح لهم فرص حقيقية لتطبيقها على ارض الواقع، وربما الفترة القادمة ستكون كاشفة عن نواياهم وحقيقة مشاريعهم. والقسم الثاني عبارة عن مجموعة من السياسيين القدامى المتشبثين باخر نفس من انفاس المكاسب السياسة والدولة العميقة، لكن هذا لا ينفي ان هناك قسم ثالث يحاول التغيير والتصحيح لكنه ذو تأثيير محدود وخارج خارطة المناصب والمكاسب.

 

ما نراه اليوم نتيجة غير منطقية للخطط والمشاريع التي تبناها قادة السنة خلال الفترة الماضية،والتي اشتملت مشاركة سياسية في أصعب الظروف ومواقف مؤيدة نوعاً ما لما جرى بعد عام 2003، يضاف لها احتجاجات واعتصامات كان من المفروض لها ان تصحح وتقود إلى اصلاحات وبناء دولة المؤسسات، لكن تلك التجارب للاسف شُوهت وأنحرفتْ باتجاه أصعب وأخطر فترة في تاريخ العراق الحديث، وهي احتلال داعش للمحافظات السنية. وهو ما يمكن ان نعتبره بداية الانحدار والسقوط نحو المجهول الذي تعيشه القوى السُنًية.

 

مقالات أخرى للكاتب