رأي

نقمة النسيان.. لمحات من واقع العراق المؤلم

نقمة النسيان.. لمحات من واقع العراق المؤلم

د. فراس مصطفى

تعمل الحكومات الديمقراطية والمتقدمة دائما على دق ناقوس الإنذار لتذكر شعوبها بأحداث تاريخية جلل هزت كيانها فتستذكر نكباتها وحروبها المدمرة وصراعاتها واضطهاد دكتاتورييها والجرائم الوحشية التي طالت شعوبها لتكون دروسا لابد من تجنبها لأجل مستقبل زاهر للأجيال التي لم تعش تلك الأحداث.

 

إن الشعوب الواعية والحكومات الوطنية تحاول بشتى السبل التطلع نحو الأمام ولا تتمنى العودة الى الوراء وتصنع من تاريخها الدموي الأسود قلما وقرطاسا لتخط بهما مستقبلا أبيض ناصعا لتنعم أجيالها القادمة بالسلام والرخاء, فلا تفكر مطلقا بعودة دكتاتور حكمها يوما ولا تخوض في حروب جديدة نتائجها خاسرة في كل الأحوال، لذلك عملت تلك الدول جاهدة بعد الحربين العالميتين على صياغة معاهدات للسلام مع دول الجوار ووقعت على الاتفاقيات العالمية التي تضمن عدم الدخول في حروب مدمرة وجعلت الحل الدبلوماسي هو الفيصل في حال نشوب أي نزاع, أما داخليا فقد عملت على وضع دساتير محكمة الصياغة نظمت من خلالها أشكال الحكم وحددت واجبات وسلطات الحاكم وحقوق المحكوم.

 

يبدو لي أن الشعب العراقي هو الشعب الوحيد الذي ينسى فضائع جلاده بسهولة، بل يعشقه ويحن لأيامه رغم كل ما سببه له, ولو نظرنا إلى تاريخ العراق الحديث لوجدناه تاريخا دمويا عصفت به رياح العنف والاضطهاد لأربعة عقود عجاف, فالمشاهد الدموية كانت هي الطاغية على الساحة السياسية العراقية وكانت الوسائل الخبيثة والطرق اللاأخلاقية لتشخيص واصطياد المعارضين والتنكيل بهم وتغييبهم لا تخطر على بال أحد, فمرة باسم القضاء على الجواسيس وأخرى عبر الجبهات والائتلافات ومرة تحت مسمى الحكم الذاتي وبين هذه وتلك كانت تهمة الخيانة والتخابر مع الدول المجاورة الطريقة المثلى للتخلص من القيادات البعثية العليا, المدنية والعسكرية, حتى جاء العام 1979 ليسود البطش العلني على المشهد السياسي العراقي والذي بدأ الدكتاتور أول فصوله بحز رؤوس كبار القيادات البعثية في تمثيلية "قاعة الخلد" ليعقبها بعد عام بحرب استنزاف خاسرة كلفت العراق ثمنا باهظا في الأرواح والأموال, ولم ترتوي الشهوة الدموية للدكتاتور وزبانيته في تصفية المعارضين بأبشع الطرق بل ضُرِبَتْ الإنسانية في الصميم باستخدام الأسلحة الكيماوية ودُفِنَ الأبرياء وهم أحياء حتى بات الخوف والرعب السمتان السائدتان اللتان تلازمان كل عراقي بما فيهم قيادات البعث العليا مدنية كانت أم عسكرية.

 

وبرغم كل ذلك التاريخ الأسود وتلك الأحداث الدموية الرهيبة التي مرت بالعراقيين والتي تحتاج إلى آلاف الكتب لتسطيرها إلا إن العراقي نسيها وصار يتمنى عودة الدكتاتور الجلاد بمجرد وقوعه تحت حكم البعض من شذاذ الآفاق والفاسدين, لكن ذلك لا يبرر أمنية العراقي في العودة لحكم الطاغية الذي لم يسلم من بطشه حتى أبناء عائلته, ونسيان ذلك الماضي الرهيب ما هو إلا نقمة وليس نعمة.

                

لقد شجع ذلك الانتهازيين من أعوان النظام السابق مستغلين تلك السذاجة ليتسلقوا سلم السلطة من جديد تحت مسميات شتى وليفرضوا وبكل صلف المتورطين من قيادييهم بجرائم كبرى أولها تمكين داعش من احتلال ثلث العراق ليكونوا في صفوف المقاعد السياسية المتقدمة ونجحوا في زرع شخوصهم في كل مفاصل الدولة العراقية وفي أعلى المناصب حتى تمددوا إلى خارج العراق ليعملوا وبشكل منظم على إحتواء العراقيين في المهاجر تحت غطاء مؤسسات وهمية تحمل خلف أسمائها الرنانة مآرب أخرى لشراء ذمم الكتاب والإعلاميين والمفكرين بمرأى ومسمع سفارات العراق في العواصم المهمة والتي أصبحت أبوابها مشرعة لهم وعلى مصراعيها مستغلين سوء أحوال وتهميش العراقيين في المهاجر من جهة وضعف رقابة أجهزة الدولة العراقية وإنشغالها بتوزيع المغانم من جهة أخرى ليلتفوا على ما تبقى من الصامدين الذين نأوا بأنفسهم عما يجري بالداخل مجبرين على اختيار المنافي ليعيشوا بشرف وسلام.            

 

لقد أصبح الأمر في غاية الخطورة وعلى الحكومة المنشغلة بتقسيم الكعكة أن تعي بأن الماء يسير من تحت أقدامها وأن أجهزتها في الداخل والخارج تغرق في نوم العسل, وعليها أن تحذر نسيان الشعب لما فعله الجلاد بهم, فهذا النسيان سيكون نقمة على العملية السياسية وإن كانت تعاني بسبب الفساد وعلى مستقبل الديمقراطية وإن كانت منقوصة.        

  

مقالات أخرى للكاتب