رأي

دردشة مع أبينا "الزعيم"

دردشة مع أبينا "الزعيم"

منتظر ناصر

ستة أجيال في العراق والسابع أطل برأسه اليوم، كلهم تطلعوا لحركتك العسكرية التي أسميتها أنت ومحبوك "ثورة" وسماها الآخرون "انقلابا"!! فرح بشرارتها الفقراء والفلاحون والمثقفون والعمال والكادحون، وحزن لها الملكيون والإقطاعيون والأرستقراطيون و"الرجعيون"!!..

 

مر 61 عاما بالتمام والكمال على صبيحة يوم عراقي جديد، تمكنتَ خلاله من تعبئة النفوس، وشحذ الهمم بالأمل والعمل، فأقمت "الجمهورية" على أنقاض "ملكية بائدة"، فكان لوقعها صدى كبير في العراق والمنطقة والعالم.

 

ولأن آباءنا وأجدادنا كانوا من غالبية الشعب، الفلاحين والفقراء والمهمشين، فقد رأوْا فيك أملهم ومخلصهم.. منحتهم أراضي استوطنوها داخل العاصمة، وسمحت لكثير منهم بالولوج الى المؤسسة العسكرية التي كانت حكرا على أبناء الذوات، ولم تفكر يوما بأي خطر ديموغرافي أو اجتماعي أو سياسي قد يهدد العاصمة جراء احتضان هذا العدد الكبير من أبناء المدن والقرى الجنوبية، ممن شكلوا فيما بعد أكبر الحواضن الشعبية فقرا وكثافة بشرية.. ولأنك قمت باصلاحات تربوية وصحية عديدة لخدمة أبناء شعبك، فقد أحبوك أكثر من حب أهل الكوفة لعلي بن أبي طالب، وكانوا على استعداد لأن يفدوك بأرواحهم وأموالهم، لكنك أظهرت بما فيه الكفاية من الشهامة حين رفضت تسليحهم وسمحت لخصومك بالقضاء عليك بعد أقل من خمسة أعوام على حكمك.

 

ولأنهم رأوا فيك أبا عطوفا وقائدا مضحيا، فدعني أكن وفيا لهم وأمنحك لقب "الأب" أيضا، لأنهم أرضعوني حبك منذ كنت صغيرا، ولم يفتأوا يتحدثون عن مناقبك، وبساطتك، وتجوالك في الأحياء الفقيرة، وقلة ساعات نومك، وعدم سعيك لامتلاك بيت وأسرة بسبب حبك لوطنك وشعبك، وأخيرا صورتك المعلقة فوق القمر في يوم مقتلك (9 شباط فبراير 1963).

 

أبي "الزعيم" عبدالكريم قاسم!! في صبيحة عيد ثورتك الـ61 دعني أحدثك بكلام لم تعتده أو تسمعه من محبيك!! ارتبط بأسئلة ولدت معي أنا الذي أنتمي للجيل الثالث لما بعد ثورتك.. تلك الأسئلة التي كبرت وتبرعمت، وضاق بها صدري ولابد من الإفاضة بها في حضرتك بعيدا عن خجل الآباء منك وحب الأجداد لك، ولكن.. لن أقبل هذه المرة بسكوتك وصمتك.. لابد لك من إجابة لنعرف معا هل ما قمت به يستحق الإشادة أم الانتقاد؟

 

هل تعلم أيها الأب الزعيم، أن مبادئ "الجمهورية" أصبحت مرادفة للقتل والسحل والاعتقال والقمع والاعتقال، وغابت عنها مفاهيم سعيت لتسويقها كالتقدم ومحاربة الفقر والجهل والمرض؟

 

هل تعلم أن مواليد ثورتك "المجيدة" انقرضوا تماما بسبب خوضهم حروبا وحصارات مضنية وطويلة، وبسبب خوفهم المتكرر على أبنائهم المجندين والهاربين والملاحقين؟

 

هل تعلم أن قانون الإصلاح الزراعي الذي تفاخرت به كثيرا أدى لانفصال الفلاح عن أرضه تماما، واستعاض عنها بالبحث عن وظيفة أو عمل اخر غير الزراعة، ما أسهم بتراجع الثروة الزراعية الى مديات غير مسبوقة؟ وترك أيتامهما يلجأون الى الجيران يرمون لها الفتات ويمتصون ثرواتهم.

 

هل تعلم أن المدن التي أنشأتها داخل العاصمة بغداد، لتضم فقراء المهاجرين من المحافظات الأخرى، قد باتت موطنا لسوء الخدمة، ومرتعا للجريمة المنظمة، ومفقسا للمسلحين واللصوص، ومركزا للفقر والجهل والدكات العشائرية. 

 

هل تعلم أن تقديراتك بالاتكاء على المعسكر الشرقي كانت خاطئة ستراتيجيا، وأن موسكو التي تحالفت معها باعت العراق بأربعة مليارات دولار فقط (على حد تعبير طارق عزيز)، حين تخلت عنه خلال قرار الضربة العسكرية في 1991، وأكده فيما بعد غيراشينكو رئيس البنك المركزي السوفيتي بتسلمه المبلغ من السعودية؟ وهل تعلم أن سياسة الحياد التي انتهجتها لم تنتج إلا تدخلا من جميع الدول في شؤوننا الداخلية؟

 

هل تعلم أن الكويت التي سخرتَ أنت من استقلالها كدولة كونها لا تملك ماءً صالحا للشرب حتى، باتت تهدي "بصرتك" صهاريج من المياه العذبة؟ وهل تعلم أن تلك الدويلة التي قال ضباطك عنها إنهم قادرون على اجتياحها بالدراجات الهوائية (قبل حماقة خلَفك صدام بثلاثة عقود)، باتت تتحكم بكثير من مفاصل الدولة العراقية، وأنها بدأت تخنق بلادك بمشاريع وشراكات ضخمة على الخليج، دون أن يحرك أي مسؤول عراقي ساكنا؟

 

هل تعلم أن إيران التي قلت عنها في لحظة غرور، بأن ثورتك ستُعدي شعبها للقيام بثورة مماثلة، وقامت فعلا (بعد نحو عقدين من ثورتك)، أصبحت اليوم لاعبا كبيرا في سياسة بلدك؟ وأن قولك بعراقية المحمرة، وإعلان دعمك لـ"انفصالييها" قد نتج عنه حصول ايران على نصف شط العرب بعد نحو 15 عاما فقط من تلك الدعوة؟

 

هل تعلم بأن الكثير من أبناء شعبك الذي أحب إطلالة جمهوريتك الأولى، قد بدأ اليوم يقذفك بشتى التهم، وهو يتلمس النتائج السلبية للتغيير الذي قمت به قبل أكثر من ستة عقود، وهل تعلم أن رجالات العهد الملكي الذين حاولت أنت وخلفاؤك الجمهوريون طمس آثارهم ومعالمهم، قد بدؤوا بالظهور مجددا مرفوعي الرأس، وأن كثيرا من الأجيال الجديدة بدأت بالكشف عن مناقبهم ومآثرهم؟

 

وهل تعلم أن السياسيين الذين أعدتهم في عهدك الى البلاد، قد أعادت الحكومات الجمهورية اللاحقة تهجيرهم وتهجير أضعاف منهم؟

 

أسئلة لا تنتهي عند هذا الحد، ولكن دعني في الختام أستذكر يوم ثورتك المصادف اليوم (14 تموز يوليو) بذرف دمعتين.. الأولى على خيبة أملي بـ"الثورة" التي لم تنتج إلا دكتاتوريات قامعة، جوّعت وقتلت الشعب، ولم تعد تعنيني بشيء كما كانت تعني جدي ووالدي.. والثانية على نواياك الطيبة الساذجة وهي تفتح باب جنهم علينا، دون علم أو دراية أو تخطيط.

 

 

مقالات أخرى للكاتب