رأي

حشدان وهيئة… فهل تسرَّع المهندس؟

حشدان وهيئة… فهل تسرَّع المهندس؟

منتظر ناصر

على طريقة ضباط الحرس الثوري الإيراني، في إطلاق التصريحات ضد خصوم دولتهم، فاجأ نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي العراقية، أبومهدي المهندس، الجميع ببيان مثير للجدل (في 21 آب أغسطس الجاري)، غير مبالٍ بتداعياته على الموقف الرسمي للبلاد والذي تمثله الحكومة حصرا، وذلك على خلفية التفجيرات التي لحقت بمذاخر الأسلحة التابعة لفصائل في الحشد الشعبي.

 

البيان العاصف، والمشبع بلغة "الحرب الدفاعية"، والذي اتهم الولايات المتحدة وإسرائيل علنا بالوقوف وراءه، مثّل محاولة لاستثمار الحدث (تشير التقديرات الى تورط الأخيرة فيه، رغم عدم تأكيد بغداد أو اعتراف تل أبيب) من أجل تثبيت دور عسكري محدد له ولفصائل تؤمن بتوجهه السياسي (ولاية الفقيه)، وتبرير أي فعل حربي ليس من صلاحيته وفقا للقانون، وتحييد الحكومة أمام أي صراع مماثل، مستفيدا من مبدأ النأي بالنفس، ومن موقف رئيسها عادل عبدالمهدي، فهو ليس في وارد إغضاب إيران، ما قد يمنحه الضوء الأخضر لإعادة التموضع داخل المؤسسة العسكرية، وفرض نهجه على الأطراف الأخرى، التي ستلوذ بالصمت تجنبا للإحراج، في أسلوب يقترب كثيرا من نهج حزب الله اللبناني، الذي يسير الى جانب الدولة وخارجها.

 

لكن وبعد ساعات فقط، اصطدم بيان الرجل القوي في هيئة الحشد الشعبي، ببيان رئيس الهيئة فالح الفياض، والذي أظهر لأول مرة وجود انشقاق حقيقي في قيادة الهيئة، فأشار بكل صراحة الى أن المهندس، لا يمثل الموقف الرسمي للهيئة، متجنبا اتهام جهة محددة (أمريكية أو إسرائيلية)، لكن الغريب في الأمر أن الموقع الرسمي لهيئة الحشد لم ينشر بيان الفياض، واكتفى ببيان نائبه (المهندس)، في دلالة واضحة على المتحكم الحقيقي في مفاصل الهيئة، وفي واحدة من مفارقات عراق ما بعد 2003.

 

بيان الفياض، وبيان الرئاسات الثلاث (الجمهورية والوزراء والبرلمان)، أظهر أن حسابات المهندس لم تكن دقيقة بما يكفي، وأن الحكومة التي وجدت نفسها في مواجهة الحليف الأكبر (الولايات المتحدة) بعد بيانه الغاضب، قد خلعت مخالبه بهدوء، استنادا الى قانون الحشد الشعبي الذي حظي بتأييد عموم الفصائل، ويمنع أي تصرف لها خارج موافقة القيادة العامة للقوات المسلحة، بهدف ضبط إيقاعها ضمن إطار قانوني رسمي.

 

وإذا كان المهندس قد نجح "مؤقتا" في إحراج الحكومة عبر مسعاه الرامي لضمها في مواجهة "عدو مشترك"، إلا أن الأمر تسبب في تصدع جبهة القيادة الحشدية، وأظهر نوعين منها: الأول أظهر انضباطا نسبيا وانتماءً للدولة العراقية وقواتها المسلحة، وهو ما مثله الفياض وبعض الفصائل لاسيما التي تعلن اتباعها لفتاوى المرجع الديني الأعلى في النجف علي السيستاني، فيما يمثل النوع الثاني أبومهدي المهندس وبعض الفصائل التي ترى نفسها جزءا من "كورال" يتسلم ألحانه و"نوتاته" من "مايسترو" خفيّ بعيد عن أنظار الجمهور.

 

بعد إيقاف محاولة أبومهدي المهندس بزج هيئة الحشد الشعبي والحكومة العراقية بمواجهة مع الولايات المتحدة، تحول خطاب الفصائل القريبة من إيران الى ما يشبه التنصل عن قانون هيئة الحشد الذي لم يعد يوفر لها الغطاء المناسب لتحركاتها على ما يبدو، فأطلق بعض قادة الفصائل أوصافا جديدة عليها، إذ بدأوا يفرقون بين الحشد الشعبي وبين "فصائل المقاومة" التي لا تخضع لأوامر الحكومة ولا يتسلم مقاتلوها راتبا منها، أو وصف الأخيرة بأنها "تشكيلات عسكرية ساندة" للفصائل، فيما باتت خطابات بعض السياسيين القريبين منها، تتحدث عن ضرورة خلق كيان مسلح خارج سيطرة الحكومة كي لا يحرجها أمام باقي الدول، إذا ما أراد تنفيذ ما يراه مناسبا لردع الخصوم، في تكرار للتجربة اللبنانية.

 

إن توزيع الأدوار بهذه الطريقة والقبول به، ينطوي على خلل كبير في منظومة الضبط الحكومي، ويعرّض بناء الدولة إلى فشل أكبر، ويمثل ابتعادا عن عقيدة الدولة السياسية التي لا ترى في الولايات المتحدة ودول الغرب عدوا كما ترى ذلك إيران الراعية الرسمية لتلك الفصائل، ويعد ذلك بمثابة إعلان تمرد على قانون الحشد الذي قبلت به الفصائل، وعدم فهم للوضعين العراقي واللبناني الذي لا تلغي جميع المشتركات بينهما، حالة التمايز الجيوسياسي والثقافي التي لا تسمح للعراق في العادة بنشوء قوى موازية للدولة المركزية، إلا في حالات شاذة، خلافا للبنان.

 

وهنا بات على الحكومة معالجة الأمر، انطلاقا من مصالح الدولة، وأخذ زمام المبادرة من أيدي الفصائل، وتقديم شكوى رسمية موثقة الى مجلس الأمن لردع إسرائيل، وانتزاع موقف رافض من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لضمان عدم تكرار القصف، بالاضافة الى إجراءات صارمة لمنع نشوء فصائل خارج سيطرتها، أيا كانت تسمياتها ومرجعياتها "ولائية" أو "مقاومة".

 

 

ينشر بالتزامن مع موقع "درج"

 

مقالات أخرى للكاتب