رأي

ثقافة المسؤول معيار لسلوكه

ثقافة المسؤول معيار لسلوكه

د. فراس مصطفى

المسؤول ليس ملاكا ولا نبيا ولا منزلا من السماء وليس إنسانا خارقا وإنما هو بشر مثل باقي البشر إذا تحدثنا عن قوانين الخلق والتكوين ومواطن كغيره من المواطنين إذا وصفناه وفقا لمبادئ القانون الدولي الخاص وموظف يقوم بمهمة إدارية كباقي الموظفين إذا وضعنا له توصيفا وفقا لمبادئ القانون الإداري, ولا تميزه عن غيره من بني البشر في الإنسانية ميزة ما, قد يتميز عنهم بصفته الوظيفية والتي تفرض عليه واجبات أكثر مما تفرضها الواجبات الإنسانية على الآخرين رغم انه لا يختلف عنهم في حقوق المواطنة ولذلك ترى الكثير من الناس في دول العالم المتقدم لا يطمح إلى تصدر المسؤولية خوفا من تلك الواجبات التي تفرضها عليه المسؤولية التي سيتسلمها.

 

معادلة معقدة في بلداننا لكنها بسيطة جدا في تلك الدول المتقدمة التي رسخت عبر قوانينها مفهوم المسؤولية ووضعت توصيفا دقيقا لكل مسؤول ولكل موظف في الدولة صعودا ونزولا فلا تجد مسؤولا يتجاوز على صلاحياته أو يتهاون في تأدية واجباته, ثقافة نفتقدها في مجتمعاتنا وبلداننا فالمسؤول عندنا حين يتصدر المسؤولية يصاب بداء العظمة ويعتبر نفسه فوق باقي البشر ويجعل لنفسه امتيازات لا أساس لها في القانون ويختفي خلف الجدران والزجاج المضلل المقاوم للرصاص.

 

وفي ظل تلك الممارسات العرجاء أصبح من المستغرب والنادر أن نسمع عن مسؤول ما أنه يتابع قضايا المواطنين عن كثب ويحل مشاكلهم بشفافية تامة ويحس بمعاناتهم ويتفاعل معهم واقعيا وافتراضيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي, وهذه المرة سأقف عند تصرف سفير العراق في تركيا الذي غير من طبيعة مقالاتي التي كنت أركز فيها دائما على السلبيات لأنني لم أكن أسمع أو أرى ما يشفي الغليل في سلوكيات المسؤولين مع المواطن فكنت منتقدا لتلك السلبيات بنوع من السخرية محاولا إيصالها إلى من يهمه الأمر عسى أن ينفع التكرار في طرحها للفت أنظار أصحاب المعالي والسعادة أو حتى دولته شخصيا.

 

من المعروف إن الجواز العراقي هو أحد أسوأ جوازات العالم منافسا الجواز الأفغاني والصومالي واليمني وهو من أكثر الجوازات تعرضا للرفض في الحصول على تأشيرة الدخول لدول أوربا والولايات المتحدة والدول الكبرى الأخرى ومن يحمله يشعر بالخوف وينتابه القلق حين ينزل في أي مطار لأنه أضعف مخلوقات الله ويمكن حجزه ومنعه من دخول الدولة التي حط فيها لأتفه الأسباب دون أن يجد من يحميه أو يسأل عنه؟

 

تصوروا ماذا سيكون رد فعل العراقي حين يفقد جوازه بعد ختم الخروج متجها الى الطائرة ليغادر, أي في المنطقة الحرة التي لا تعود لدولة ما؟ وما بالك لو كانت من فقدت جوازها سيدة متقاعدة ولوحدها وعلِقّتْ بين حدي بلدين وكأنها دريد لحام في فلم الحدود؟

 

وبين يأس وقنوط تلك السيدة تذكرت أنها من ضمن متابعي السفير العراقي على الفيسبوك فأرسلت له رسالة تشرح له حالتها, فما هي إلا دقائق وجاءها الرد منه وطلب هاتفها واتصل بها وطمأنها وهدأ من روعها وجند السفارة لخدمتها وبعد دقائق اتصل بها القنصل ليخبرها بأن السفير أمر بإصدار جواز مرور لها فورا وسيصلها الجواز خلال الساعات القادمة وستطير في الطائرة اللاحقة إلى بغداد؟ وبين التفكير في أن تصدق الموقف أو تكذبه اكتملت الإجراءات وحصلت السيدة على جواز المرور وتم إبلاغ السلطات التركية لتسهيل أمرها لتكون في بيتها وبين أهلها خلال ساعات؟ أكاد أجزم لو أن تلك السيدة كانت تحمل جوازا أمريكيا أو بريطانيا ما استجابت سفارات تلك الدول لها بهذه السرعة ولعلقت لأيام حتى يبت في أمرها؟

 

لقد أسقط كل الخطابات الرنانة والوعود المزلزلة للمسؤولين العراقيين بهذا الموقف الإنساني النبيل الذي عكس فيه سفير العراق في تركيا الدكتور حسن الجنابي ثقافة عالية يفتقر لها الكثير من المسؤولين في التعامل مع الناس ولو كانت تلك هي ثقافة كل المسؤولين العراقيين لما خرج عراقي واحد في ساحة التحرير معترضا على سوء الأوضاع المعيشية والخدمية.

                      

مقالات أخرى للكاتب