رأي

المدنية نقيض البذاءة

المدنية نقيض البذاءة

علاء اللامي


انتقدتُ عدة مرات "المدنية" كمصطلح واعتبرته صيغة مخففة وانتهازية للعلمانية التي يعتبرها التحريميون والتكفيريون من الإسلاميين كفرا، فاستعمل العلمانيون واليساريون الانتهازيون هذه الصيغة (التي يعتقد بعض الباحثين أنها كمفهوم واصطلاح من مبتكرات الشيخ الأزهري الإصلاحي علي عبد الرزاق في العشرينات من القرن الماضي) لتفادي استفزاز هؤلاء ولاسترضائهم والتحالف معهم تحالفا ذيليا. ويبقى انتقادي ذاك لمصطلح "المدنية" وجهة نظر سجالية وشخصية قابلة للنقاش والأخذ والرد، ولكنني اليوم مضطر للدفاع عن "المدنية" كقيم وثوابت حضارية في مواجهة محاولات ساذجة لجعلها رديفا للبذاءة والفحش و"السرسرلوغية"!.

 

لم يجد بعض المثقفين من زاعمي المدنية واليسارية واللبرالية في نسختها "البريمرية" والذين صفق معظمهم بالأمس للاحتلال الأميركي وواصلوا التصفيق للنظام الرجعي الطائفي الذي جاء به، و اشتغل بعضهم مستشارا "لأسمال" الرؤساء والوزراء اللصوص، لم يجدوا من الصفات التي يلصقونها بالعار ورمز البذاءة فايق دعبول الشيخ علي إلا التقدمية والوطنية بل واعتبره بعضهم مناضلا شجاعا أوجع نظام صدام بلسانه، وكأنهم الوحيدون الذين يعرفون هذا الزنيم ولا يعرف الآخرون شيئا عن خنوعه وعمالته وتذلـله لحكام الخليج العربي وفي الكويت خصوصا، وترويجه لمشاريعها المدمرة لموانئ العراق (راجع تصريحاته في برنامج الإعلامية الكويتية المتصهينة فجر السعيد في برنامجها "هنا الكويت" على موقع يوتيب بتاريخ 19 حزيران 2019، حول ضرورة الربط السككي والتجاري لمدينة الحرير التي تبنيها الصين في جزيرة بوبيان ومعها ميناء مبارك المدمر للموانئ العراقية بمحافظة البصرة).

 

وقد احتج بعضهم بطائفية النائبة حنان الفتلاوي (وهي طائفية سيئة حقاً ولها مقولاتها وتصريحاتها المشينة والتحريضية طائفيا) لتبيض سواد وجه "سرسري عادي" رفعته المقادير ودواليب اللعبة الطائفية الاحتلالية إلى عضوية البرلمان ككثر غيره، أما من حيث الجوهر السياسي والوظيفة والدور فلا فرق بينهم!

 

الأدهى والأمر أن أحدهم "تفذلك" وفسَّر بذاءة هذا "الفائق البذاءة" بأنه وريث نسق ثقافي عربي يقوم على الهجاء المقذع! وهذا جهل ما بعده جهل، وتدليس ثقافي خبيث يخلط بين الفحش والبذاءة والهجاء في الشعر، ويجعل البذاءة "نسقا ثقافيا عربيا" وكأنه يقول بطريقة غير مباشرة: كلكم أيها العرب هجّاؤون مقذعون والبذاءة عندكم نسق ثقافي موروث فلماذا تلومون هذا الشخص؟

 

وأخيرا فقد حاول البعض، وبحسن نية ربما، أن يبرر بذاءات فايق دعبول عبر مقارنتها أو مساواتها بشتائم الشاعر الذي لقبه بعض المدنيين بـ"الشاعر الإرهابي"، مظفر النواب، وفاتهم أن النواب، في ما اقتبسوا عنه، كان في معرض الاعتذار وطلب الغفران من جمهوره عن شتائمه البذيئة بحق من هم أكثر بذاءة من البذاءة ذاتها، أي بحق الحكام العرب المهزومين والعملاء للأجنبي وقتلة الأحرار من أبناء شعوبهم! لقد كان النواب يتعذر عن بذاءة "شعرية" لها ما يبررها ألف مرة واقعا، ولم يكن يشتم زميلا شاعرا أو زميلة له في مجلس النواب بعبارات مقرفة وفاحشة يتردد في قولها الحثالات في قاع المجتمع. لقد بدأ النواب كلامه بطلب الغفران من جمهوره عما اعتبره بذاءة فقال:

 

اغفروا لي حزني وخمري وغضبي وكلماتي القاسية،

 بعضكم سيقول بذيئة، لا بأس ...

أروني موقفا أكثر بذاءة مما نحن فيه!

 

فهل يجوز أن نساوي، أو حتى نقارن بين شاعر يهجو حكاما وأنظمة معادية وعميلة للعدو بشعر فيه كلمات بذيئة وبين نائب في برلمان يشتم زميلة له بشتائم فاحشة وجنسية أمام الملأ ويطعن في عرضها وشرفها الشخصي؟

 

وأخيرا، هل يعلم هذا البعض من "المدنيين" الجهلة الذين يعبدون أميركا ماذا كان سيواجه صاحبهم الشتائم الذكوري الرجعي فايق دعبول من عقاب لو أنه أطلق هذا النوع من الشتام والإهانات الجنسية بحق نائبة أو وزيرة أو حتى بحق ممثلة سيئة السمعة في الولايات المتحدة نفسها، وخصوصا مع صعود التطرف والمبالغات في الموجة النسوية حاليا؟ الأكيد هو أنهن سيُسخمن وجهه ويجعلن حياته جحيما لا يُطاق، والأمثلة عندهم كثيرة على من حاول التحرش بنساء حتى بمجرد نظرة أو كلمة أو لمسة خفيفة مريبة.

 

 

مقالات أخرى للكاتب