"دكة" الوثبة و"حيلة" السوداني

تاريخ النشر 2019-12-14 12:48:58 أخر تحديث 2020-02-22 12:34:37 دكة الوثبة وحيلة السوداني

في مشهد أعادنا إلى ما قبل 61 عاما وتحديدًا في العام 1958، وفي منطقة قريبة من المنطقة ذاتها التي شهدت سحل جثمان رئيس الوزراء في العهد الملكي نوري السعيد والوصي على العرش عبد الإله، وتقطيعها قبل تعليقها على احد الأبنية في شارع الرشيد، استفاق العراقيون على جثة لصبي معلقة على عمود في ساحة الوثبة، وسط العاصمة بغداد، ويتجمع حولها المئات او الآلاف من الأهالي بعضهم يهتف بالنصر ويصفق واخرون يلتقطون الصور بهواتفهم وكأنه مشهد درامي يجب نقله باعتباره منجزًا بحاجة للترويج، متجاهلين بان تلك التصرفات خدمة مجانية قدمت على "طبق من ذهب" للمتصيدين الذين يحاولون تشويه صورة الاحتجاجات الشعبية لإيجاد المبرر لإنهائها بالقوة، بعد فشل جميع محاولاتهم بالقتل والقنص والترويع.

 

لكن ما حصل بحاجة إلى وقفة حقيقية نتجرد فيها من العواطف ونضع جميع الروايات أمامنا لنصل إلى نتيجة تتوافق مع منطق العقل، فالموقف الذي شاهدناه يؤكد بما لا يقبل الشك وجود مشكلة عميقة في البيئة التي نعيشها تظهر وقت غياب الوعي الجمعي، لتعبر عن حالة مجتمعية تتكرر في كل زمان ومكان ولا تحتاج سوى لمجموعة يؤيدونها كما يحصل في العديد من المجتمعات التي تعيش على ارض المعمرة، لكنها تجد الأرض الخصبة لها حينما تخرج الأمور عن السيطرة كردة فعل تجاه عمل معين، ولا يمكن حسابها على جهة دون أخرى فحالة الهستيريا التي اصابت المتجمهرين في ساحة الوثبة وهم يلتقطون الصور مع جثمان الصبي، حصلت ذاتها مع الشيخ حسن شحاته في مصر حينما سيطر الإخوان المسلمون على الحكم بعد ازاحة حسني مبارك، لكنها افقدت التعاطف الخارجي مع التحول الذي شهدته مصر، وهي نتيجة سلبية من الممكن تكرارها في الاحتجاجات الشعبية التي تشهدها بلادنا، وبالتالي نفقد العامل الخارجي وقوته في الضغط لصالح تحقيق المطالب.

 

نعم تلك النقطة السلبية استغلتها بعض الأطراف السياسية التي تحاول في كل مناسبة "شيطنة" التظاهرات السلمية التي تهدد مصالحها وتنذر بقرب رحيلها عن كراسي السلطة، فعملت على إلقاء تهمة "القتل والسحل" في ساحة الاحتجاج على المتظاهرين من خلال إظهار بعض المشاهد وحجب أخرى باستخدام وسائل إعلامها وأدواتها الأخرى وتغافلت عن الكثير من الحقائق فهي لم تتسأل عن أسباب وجود عناصر من القوات الأمنية بعضهم يحمل الرتب العسكري قرب منزل الصبي لحظة مقتله، ولم تكلف نفسها بالبحث عن أسباب تسليم القوة الأمنية التي كانت موجودة في موقع الحادث، جثة الصبي للأشخاص المتجمهرين قرب منزله، وهذه الأدلة لا تحتاج لعمليات استقصاء أو معجزة لتحقيقها لكونها متداولة بمقاطع فيديو وزعت على مواقع التواصل الاجتماعي وشاهدها جميع "عباد الله"، لكنها لم تفعل ذلك لانها تتعارض مع أهدافها في الإساءة للاحتجاجات، فكيف تفسر خروج زعيم عصائب أهل الحق الشيخ قيس الخزعلي بعد دقائق من الحادث ليتساءل بغضب "إلى متى تستمر الفوضى وغياب القانون وضعف الأجهزة الأمنية وانفلات السلاح وانتشار المليشيات القذرة"، لكننا لم نشاهد هذا الغضب على الشيخ الخزعلي حينما سقط العشرات من الشهداء والجرحى في ساحة الخلاني ومرآب السنك بنيران فصائل مسلحة يعرفها جيدا، واعترفت بتنفيذها رئاسة هيئة الحشد الشعبي في بيانها الذي حاولت التنكر له بحجة اختراق موقعها الإلكتروني.

 

وحتى لا تفوت القوى السياسية الفرصة وتستغل حادثة الوثبة خرجت علينا بمشهد كوميدي جديد بطله الوزير السابق والنائب الحالي محمد شياع السوداني ليعلن عن استقالته من حزب الدعوة الإسلامي وتحوله إلى "مستقل لا ينتمي لغير العراق"، في ترويج واضح و "حيلة مكشوفة" لتقديمه كمرشح لمنصب رئيس الوزراء، بعد توافق القوى السياسية على شخصه مع تحالف البناء صاحب الكتلة الأكبر التي أعيدت لها الحياة بعد موتها في اختيار حكومة المستقبل عادل عبد المهدي، لتثبت القوى السياسية بانها تمارس عملية "الاستغفال" لعقول المواطنين والمعتصمين في ساحات الاحتجاج الذين نقلوا العديد من الرسائل التي ترفض مرشحي الأحزاب، لكنها لا تعلم بان استمرار حالة التجاهل قد يدفع لتكرار ما حصل في الوثبة، لكن هذه المرة قد تنصب أعواد المشانق لرقاب اصحاب السلطة، في حالة هستيرية أخرى يصعب السيطرة عليها من اصحاب العقول.

 

الخلاصة... ان محاولة بعض القوى السياسية استغلال الأحداث لتمرير اجندتها قد يؤدي إلى نتائج عكسية، خاصة مع تأييد زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر للمتظاهرين برفضهم ترشيح محمد شياع السوداني لرئاسة الحكومة وإغلاقه جميع وسائل الحوار مع القوى السياسية، الأمر الذي ينذر بامكانية تصعيد الاحتجاجات ووصولها إلى نقطة لا يمكن بعدها العودة إلى مربع التفاهمات، وحينها تتحمل الأطراف التي تؤيد مرشح الأحزاب وترفض الاستماع لصوت الشعب جميع ما سيحدث... اخيرا... السؤال الذي لابد منه... متى تفهم القوى السياسية الدرس؟...

 

المصدر: