رأي

هل يرسم علّاوي طريق العودة لعبدالمهدي؟

هل يرسم علّاوي طريق العودة لعبدالمهدي؟

منتظر ناصر

باعلان رئيس الوزراء المكلف محمد توفيق علاوي انسحابه من مهمة تأليف الحكومة المؤقتة يوم الأحد الماضي (1 آذار مارس 2020)، سجّل العراق رقما قياسيا بالاطاحة برئيسين للحكومة في أقل من عام ليعيد بذلك الأمور الى نصابها الأول، من لحظة البحث عن بديل لعادل عبدالمهدي الذي استقال في الأول من كانون الأول ديسمبر الماضي، على إثر احتجاجات تشرين الشعبية ومطالبة المرجعية الدينية في النجف باستبداله.

 

علاوي الذي تعكز على دعم أكبر كتلتين شيعيتين داخل البرلمان، (سائرون بزعامة مقتدى الصدر، وتحالف الفتح بزعامة هادي العامري)، وكتلة سنية (بزعامة أسامة النجيفي)، استخف بالكتل الأخرى شيعية وسنية وكردية (ممن تزعمها إياد علاوي ونوري المالكي وحيدر العبادي وعمار الحكيم ومسعود البارزاني ومحمد الحلبوسي)، لكن ما لم يكن في حسبانه أن الكتلتين الداعمتين ستفشلان في حشد النواب المطلوبين للتصويت على كابينته، لأسباب عديدة أبرزها سوء تقدير المكلف الذي لجأ الى الصدام مع الكتل السياسية الأخرى بعد عجزه عن إقناعها، في ظل رفض شعبي مستمر لتكليفه بدءا من أول يوم لتكليفه مطلع فبراير الماضي، ومن دون أن يكلف فريقا لمفاوضة ساحات التظاهر.

 

الأمر الأشد فتكا في عملية تمرير كابينة علاوي ليس ظهور الكابينة التي خيبت آمال العديد من المراقبين فحسب، بل في تصريحات أبرز داعميه مقتدى الصدر والتي أثارت حفيظة الحلفاء قبل المناوئين، حين لوّح باقتحام البرلمان في حال عدم تمرير الكابينة، ما ساهم بسحب العديد من القوى السياسية الشيعية عن دعم علاوي، مدفوعة بالخشية من النوايا "الأبويّة" للصدر على القوى السياسية جميعا وخصوصا الشيعية.

 

ويمكن اختصار قصة فشل علاوي في تشكيل كابينته بأنه خسر ثقة السياسيين وفشل في ذات الوقت بكسب الشارع الغاضب، الأمر الذي كشف عن واقع العسر الذي تواجه ولادة أي حكومة عراقية، لاسيما في ظل الانسداد السياسي المستفحل ودخول المحتجين على خط التكليف لأول مرة منذ تأسيس العملية السياسية مع بقاء الضغط الخارجي عبر عوامله الداخلية.

 

أما الكتل السياسية المنتشية الآن بنصرها على حكومة علاوي الافتراضية، فانها لم تقدر وفاءه للنظام السياسي القائم على المحاصصة المكوناتية، بل نظرت الى "جريمة" محاولته كسر المحاصصة الحزبية، الأمر الذي لو تم لشكل ربما حلاً وسطا بين السياسيين والمحتجين في توفيره الحد الأدنى من نظام المحاصصة والإصلاح المطلوب على حد سواء.

 

إن فشل تجربة علاوي شكّل انعطافة جديدة في مسار الأحداث، وكشف عن أن إيجاد البديل سيمر بنفس الوقت والخطوات التي مرّ بها ووصل اليها، وأظهر بشكل قاطع للسياسيين والمحتجين معا عجز البرلمان الحالي عن تمرير أي حكومة جديدة، الأمر الذي سيستنزف المزيد من الوقت المطلوب لإقرار موعد للانتخابات المبكرة وتحديد الدوائر الانتخابية التي اقرها قانون الانتخابات الجديد، وهو عمل طويل ومضنٍ.

 

إذن فان تكرار هذه التجربة والبحث عن رئيس حكومة مؤقت بديل سيكون أمرا عبثيا لأنه سيكون بالضرورة تابعا للكتل السياسية خلافا لرغبة المحتجين، وأن رحلة البحث عن البديل ستستنزف الحركة الاحتجاجية من حيث التفكير بالترشيح أو الرفض والقبول، وسيمنح الوقت الكافي للقوى السياسية بالالتفاف على المطالب الجوهرية آنفة الذكر، الأمر الذي سيجعل من الأفضل لدى البعض الإبقاء على عبدالمهدي المرفوض شعبيا كخيار أفضل للحراك بشرط اصدار قرار حل البرلمان وتحديد موعد للانتخابات المبكرة لا يتجاوز نهاية العام الحالي، وهو ما سيشكل منعطفا كبيرا في مسار الديمقراطية في العراق والأمل الأخير للتغيير المنشود.

 

مقالات أخرى للكاتب