رأي

ماذا لو لم ننظر لكورونا كاليابانيين؟

ماذا لو لم ننظر لكورونا كاليابانيين؟

د. فراس مصطفى

في ديسمبر من العام 2011 زرت اليابان زيارة رسمية وبقيت لفترة هناك, ما لفت نظري في الشارع وفي الأماكن العامة وحتى داخل الوزارات والمؤسسات التي زرتها إن الكثير من اليابانيين بمختلف أعمارهم يرتدون الكمامات رغم أن فيروس كورونا أو غيره لم يضربهم في حينها لكني علمت إنهم كانوا يرتدونها تحسبا من نقل الزكام لآخرين ويسبب لهم مشاكل صحية هم في غنى عنها ولا ذنب لهم فيها والأهم من هذا وذاك إن الياباني ينظر للزكام البسيط على إنه أزمة ستسبب انخفاض في العمل وتقلل الإنتاجية وتحمل الدولة خسائر اقتصادية لا مبرر لها وبالتالي فأنها ستنعكس سلبا على أفراد المجتمع بالكامل.

 

حين كنت تلميذا في المدرسة كنت أحيانا أحصل على درجات غير عالية مقارنة ببعض زملائي فكان والدي يسألني السؤال التالي (هل لزميلك الذي حصل على درجة أعلى منك أربعة أذان أو ستة عيون أو ثلاثة أنوف؟) كنت استغرب من سؤاله لكني بالعادة أجيبه بالنفي فيقول لي إذن راجع أخطائك التي لم يقع فيها زملائك الذين يشبهوك في كل شيء سوى إنهم ركزوا على دروسهم وفهموا أسئلة الامتحان وحصلوا على درجات عليا لم تحصل عليها لهذه الأسباب, وهذه الحادثة تدفعني للسؤال (هل للياباني أربعة أذان أو ستة عيون أو ثلاث أنوف ليكون مبدعا في كل شيء؟) بالتأكيد لا؟

 

العراقي أيضا مبدع كغيره بل أكثر إبداعا وهذا ما تشير إليه لوائح الخريجين في الجامعات العالمية فغالبا ما يتصدر العراقي قائمة تلك الجامعات وغالبا ما تجد عراقيين يعملون في مؤسسات مهمة في دول عظمى مثل أمريكا واستراليا ودول أوربا, فلماذا يبدع العراقي في الخارج ولا يبدع في بلده رغم توفر الإمكانات والوسائل؟ الجواب بسيط, هو عدم توفر الجو الملائم الذي يحفز فيه الإبداع في بلده, بينما تتوفر له كل تلك الأجواء في الدول المتقدمة تدعمهما الرقابة والتقييم.

 

وحين يفتقد الإنسان لتلك الأجواء تتبلد حواسه ويتحول إلى فرد في قطيع يسيره السلوك الجمعي لذلك القطيع فتراه لا يأبه بما يدور حوله ولا يهتم بمجريات الأحداث حتى وإن كانت خطيرة حتى تتملكه الأنانية والتفكير بالمصلحة الشخصية والتحول التدريجي إلى متخلف وجاهل حتى وأن كان يحمل شهادة جامعية عليا ثم يصبح مخربا محترفا وليس بالضرورة أن يكون التخريب بكسر نوافذ دائرته أو تعطيل ألأجهزة وإتلاف المعدات وغيرها وإنما بالسلوك التخريبي والتفكير الهدام اللذان ينعكسان سلبا على المجتمع برمته.                               

 

مع انتشار فيروس كورونا في العالم واعتباره جائحة اتخذت معظم الدول قرارات حازمة أهمها الحجر الإلزامي وإيقاف كل النشاطات والبقاء في البيوت لحين انتهاء الأزمة وكانت اليابان أولى تلك الدول التي طبقت تلك الإجراءات بل سبقت غيرها بوقت طويل مقارنة بإيطاليا واسبانيا وفرنسا التي أصبحت بؤر للمرض وفاقت خسائرها بالأرواح خسائر بعض الحروب والكوارث الطبيعية من زلازل وأعاصير وفيضانات ولم يشفع لها تفوقها العلمي وتقدمها الطبي وتطور أنظمتها الصحية ومستشفياتها, فكانت اليابان في موقع امن جدا من حيث عدد المصابين والضحايا مقارنة بتلك الدول حتى أنها ولأخر لحظة كانت عازمة على عدم تأجيل الألعاب الأولمبية التي ستقام على أرضها هذا العام لثقتها بأنها سوف تقضي على الفيروس لما تقوم به من إجراءات وقائية مدروسة تدعمها ثقافة وشعور بالمسؤولية عاليين يتمتع بهما الشعب الياباني.                                      

 

السؤال الذي يطرح نفسه وبقوة, ما هي نظرة العراقي لوباء كورونا العالمي الفتاك؟ للأسف أظهرت الأيام الماضية صورا ووقائع بدت مرعبة من تصرف الكثير بلا مسؤولية وعدم احترام التعليمات المحلية والعالمية, فازدادت التجمعات في الأحياء والتجول في الشوارع والتوجه نحو زيارة المراقد المقدسة والركض خلف مواكب الرموز الدينية وتحدي السلطات التنفيذية والصحية في بلد يعاني من انهيار شامل في كل بناه التحتية وأهمها الصحية يعزز انهياره هذا هبوط أسعار النفط عالميا, المصدر الوحيد لاقتصاده الريعي الهش الذي يعاني انكماشا مزمنا منذ عقود نتيجة الحصار والحروب والصراعات الداخلية والفساد على أعلى المستويات ومن هنا فالعراق مقبل على كارثة صحية حقيقية قد تقضي (لا سمح الله) على نصف سكانه إن لم ينظر لهذا الوباء بنفس النظرة اليابانية.

 

مقالات أخرى للكاتب