رأي

نجم الربيعي و"نهج البلاغة"

نجم الربيعي و"نهج البلاغة"

علاء اللامي

توفي الراحل هادي العلوي قبل أن يكمل ويصدر آخر كتاب له وهو عبارة عن تحقيق تنقيحي جديد وجذري لكتاب نهج البلاغة برواية الشريف الرضي. ومعلوم أن الرضي جمع خطبا منسوبة للإمام علي بن أبي طالب بعد وفاته بأكثر من ثلاثة قرون ونصف في كتاب سماه "نهج البلاغة". وقد أخبرني الراحل أن أقل من نصف الكتاب برواية الرضي هو الذي يصح عنده ولا يصح ماعدا ذلك، وإنه وضع معادلات ومصافٍ "فلاتر" معقدة، لغوية، تاريخية، نفسية واجتماعية وغيرها للتأكد من كل خطبة منسوبة للإمام، بل وللتأكد من كل سطر ومن كل كلمة فيها. وقال إنَّ بعض تلك النصوص موضوعة "ملفقة" بشكل واضح، ولا تمت بصلة للغة الإمام وعصره وانشغالاته ... هذا عن نهج البلاغة الأصلي برواية الشريف الرضي، وليس عن منشورات مضحكة على مواقع التواصل الاجتماعي وصفحات الانترنيت!

 

توفي العلوي بدمشق الشام في 27 كانون الأول 1998، ولم يكمل مشروعة، ولا أدري ماذا كان سيقول حين يرى أو يسمع الهراء الذي أدلى به المذيع في "قناة التغيير" نجم الربيعي، الذي كنت قبل بضعة أيام قد انتقدت لغته العربية الفصحى "الكارثية"، ولكني لم أدرج اسمه ضمن منشور لي حول موضوع تكليف محمد علاوي عامداً، ولكني نصحته وأمثاله بالتكلم باللهجة العامية العراقية أو بالنحو الساكن في حواراتهم وكلامهم المرتجل، لتجنيب اللغة العربية هذه "المجازر" التي يرتكبها نحوا وصرفا ونبرا. فأي زمان هذا الذي ينسبون فيه إلى الإمام علي، والذي قيل في وصف كلامه البليغ إنه (فوق كلام المخلوق وتحت كلام الخالق)، أقول، ينسبون إليه ما لم يرد في رواية الشريف الرضي نفسها كهذه الجملة (يجتاح الدنيا كورون ... من صنع البشر الضالون) فيرفعون الصفة المجرورة بجر الموصوف وهو هنا مضاف إليه، أو تأتي كلمة "ولاة" بالتاء المفتوحة "ولات الأمور"؟! أي خواء وجهل هذا الذي أوصل أشخاصا كنجم الربيعي إلى وسائل إعلام واسعة الانتشار وتدخل كل بيت!

 

وأخيرا، ربما يعتقد البعض أن ردة الفعل الواسعة والحادة على هذه الحماقة مبالغ بها، ولكنها، مع ذلك، تعكس أمورا إيجابية عدة منها الحرص التضامني النقدي على تراثنا الإيجابي لدى قطاع واسع من الشباب والتصدي للعابثين به، بما يقلل من هذه الحماقات ويردع الحمقى وذوي الغرض. وسيكون الاعتذار عنها من قبل مرتكبيها والتأني في تناول أمثالها واستشارة أهل الاختصاص بالتراث واللغة قبل "التَّمَعْلُم" برؤوس الناس أمرا مطلوبا ومفيدا للجميع.

 

مقالات أخرى للكاتب