رأي

"حصر السلاح بيد الدولة" أسطوانة مشروخة

"حصر السلاح بيد الدولة" أسطوانة مشروخة

د. فراس مصطفى

في شهر اكتوبر من العام 2003 وفي خضم العمل المضني والخطر لفرق الأمم المتحدة في العراق كنت موظفا في البرنامج الإنساني للأمم المتحدة، وكان عملنا يتطلب السفر للأردن من فترة لأخرى لحضور ورش العمل والاجتماعات خصوصا بعد استهداف مقر الأمم المتحدة في بغداد بتفجير انتحاري في نفس العام, وفي إحدى الورش صادف أن التقيت بأحد مراسلي وكالة الصحافة الفرنسية في صالة الفندق الذي كنا نقيم فيه, بادرني الرجل بالتحية وتبادلنا بعض المجاملات وحين علم أنني من العراق وجه لي سؤالا مفاده (كيف يمكن السيطرة على السلاح في العراق وكبح جماح ميليشيا جيش المهدي)؟ وكان جيش المهدي في حينها الفصيل المسلح الأشهر والأكبر على الساحة العراقية، وكان يقوم من فترة إلى أخرى باستعراضات عسكرية منظمة في معقله بمدينة الصدر شرقي العاصمة بغداد، وكانت تنقل مباشرة عبر القنوات الفضائية العالمية مما لفت أنظار المهتمين بهذا النوع من الفصائل المسلحة وكان هذا المراسل من ضمنهم.

 

وللإجابة على سؤاله, قلت له رغم أنني لست سياسيا لكنني اعتقد أن الحل يكمن في ثلاث خطوات, أولها سحب السلاح من الشارع بشرائه ممن يقتنيه كما فعل صدام حسين بعد الانتفاضة الشعبانية عام 1991 حين اشترى كل السلاح المنفلت بطريقة ذكية وبأسعار مغرية وبدون مساءلة قانونية، ما دفع كل من يحتفظ بقطعة سلاح إلى بيعها للدولة حتى أن هناك من باع بنادق الصيد والأسلحة القديمة التي كان يقتنيها طمعا بالمال, وثانيها توفير فرص عمل للعاطلين والمهمشين اجتماعيا لتلهيتهم بأعمال لا تحتاج الى شهادة أو كفاءة وخبرة حتى وإن كانت تلك الأعمال بسيطة وسخيفة كجمع النفايات المتكدسة وردم الحفر (الطسات) في الشوارع وتنظيف الساحات وصبغ الأرصفة وجز الحشائش..الخ، وهي كفيلة بإعادة الذين انجرفوا نحو الميلشيات والتيارات المتشددة وعوالم الجريمة إلى الحياة الطبيعية، خصوصا وأن تلك الأعمال ستوفر لهم ولعوائلهم قوت يومهم ولا تدع لهم وقتا للتفكير بغير العمل والحرص على عدم خسارته, وثالثهما منع الخطاب الديني المتشدد الذي يشجع على ترسيخ الطائفية في بلد لا توجد في تاريخه بصمات صراع طائفي كما في لبنان والسعودية والبحرين وغيرها وفرض خطاب وطني على أئمة الجوامع وخطباء المنابر (سنة وشيعة) لإلقائه على أتباعهم ومريديهم يدعوهم من خلاله إلى  نبذ العنف وتحريم الاقتتال والتشجيع على العمل وكبح جماح التهور والاندفاع الأهوج نحو الأفكار المتشددة وفقا للقوانين السائدة وتعاليم الدين الإسلامي السمح, وبالطبع فأن تلك الحلول كانت ممكنة في ذلك الوقت حيث لم تتوفر في حينها الفرصة لدول الجوار للتدخل بشؤون البلد والسيطرة على مقدراته كما هو الحال اليوم.

 

ابتسم المراسل ابتسامة ماكرة وقال لي "لقد أعطيت حلولا ناجعة قد يعجز عنها الكثير من الساسة وتقول إنك لست سياسيا؟!".

 

في الوضع السليم, يتوافق المنطق والعقل مع الواقع ولا يتقاطعان معه أبدا أذا استثمرا بشكل صحيح، إلا إذا أراد أحدهم أن يقاطعهما عمدا, فالعقل يستطيع إيجاد أنجع الحلول لأي مشكلة مهما عظم حجمها اعتمادا على المنطق وبذلك تكون أعظم المشاكل صغيرة بعين من يفكر بحلها بشكل منطقي, بينما تتحول أصغر المشاكل إلى عظيمة في عين البليد والجاهل الذي يجافي المنطق, وإلا ما استطاع البابليون والمصريون من بناء برج بابل الشهير والجنائن المعلقة والأهرامات الشاهقة التي صارت من عجائب الدنيا السبع في وقت لم يكن يملك فيه ذلك الإنسان سوى العقل, وما كان المتنبي ليقول "وتعظم في عين الصغير صغارها.. وتصغر في عين العظيم العظائمُ), لولا ثقته بأن العزائم تأتي على قدر أهلها.

 

اليوم وبعد سبعة عشر عاما على سقوط بغداد وسقوط نظامها الشمولي, تعهد كل رؤساء الوزراء الذين تعاقبوا على حكم العراق بعد التاسع من نيسان عام 2003 بتنفيذ برنامجهم الوزاري, لكن لم يكلف احد منهم نفسه بمراجعة برنامجه ومقارنته بالبرامج السابقة ليعرف ماذا حقق سلفه وماهي نقاط الضعف والقوة في تلك البرامج وبمجرد تكليفه بتشكيل الحكومة يقف أمام البرلمان ليسرد نقاط برنامجه كالببغاء دون أن يشعر إنها جاءت مطابقة حرفيا  للبرامج السابقة, والمضحك إن جميعها كانت مجرد حبر على ورق و لم يتحقق منها شيء، بل أن منهم من زاد الطين بلة وأثقل كاهل خلفه بمصائب لا تتكرر في التاريخ كما حصل في ترسيخ الطائفية في فترة أحدهم و سقوط ثلث العراق بيد داعش وازدهار المحاصصة واستفحال الفساد في فترة الآخر وتنامي سطوة الميليشيات وانتشار السلاح بيد الفصائل المسلحة في حكم الثالث وعجز الأخير عن التعامل مع التظاهرات المطلبية بسبب عجز حكومته عن توفير أدنى الخدمات وفشلها في تنفيذ أي برنامج اقتصادي ناجح يحد من البطالة المهولة وبدلا من إحتواء التظاهرات قام بقمعها بأبشع الطرق مخلفا المئات من القتلى وعشرات الالاف من الجرحى حتى تحولت تلك القضايا البسيطة إلى مشاكل معقدة أطاحت به وبحكومته وأوصلت الحال الى ما نحن عليه اليوم.

 

كنت أتمنى على السيد الكاظمي, المكلف بتشكيل الوزارة الجديدة أن لا تأخذه الحماسة في أول خطاب متلفز له بعد مراسم التكليف ليقع في نفس الأخطاء التي وقع بها من سبقه, حين تعهد بتحقيق جملة وعود كان أصعبها تعهده بالعمل على حصر السلاح بيد الدولة وهذا الملف بحد ذاته يعد من أكبر تحديات المرحلة القادمة التي على الحكومة تخطيها لكنه وللأسف جامل على حساب الواقع خصوصا وان السلاح  الذي تحدث عنه السيد الكاظمي (الخفيف والمتوسط والثقيل) تحمله جميع الفصائل المسلحة التي يقدر عددها بأكثر من 70 فصيلا مسلحا يقف وراءها سياسيون بارزون تدعمهم بالمال والسلاح دولا إقليمية وعالمية كبرى حتى باتت تلك الفصائل أقوى من الجيش النظامي المتعدد الولاء و صارت تشكل خطرا محدقا على أمن البلد وإستقراره, هذا من جانب, ومن جانب أخر, فلا تخلو اليوم عشيرة عراقية مهما صغر حجمها من مخازن لشتى أنواع الأسلحة تستخدمها لأبسط نزاع دون وازع أو رادع بل إن هناك عشائر سلحتها أمريكا بأحدث الأسلحة ودربت رجالها بحجة الدفاع عن نفسها ضد عصابات داعش لكن الغاية من وراء ذلك كانت تتركز في خلق توازن مسلح بين الفصائل المسلحة والعشائر, ومن هنا كان لزاما على السيد الكاظمي أن لا يحشر نفسه في عنق الزجاجة ويقدم وعودا لا يمكن تحقيقها في ظل الدولة العميقة وأن لا يكرر تشغيل أسطوانة (حصر السلاح بيد الدولة) لأنها باتت مشروخة ولا تطرب.

 

مقالات أخرى للكاتب