رأي

يا وزير الصحة.. هذا قانون مزرعة الدواجن!

يا وزير الصحة.. هذا قانون مزرعة الدواجن!

د. فراس مصطفى

أثار تصريح تلفزيوني لوزير الصحة العراقي الدكتور جعفر علاوي غضب المئات من رواد مواقع التواصل الاجتماعي وطالبت نقابة أطباء العراق وناشطون آخرون السيد الوزير بتقديم اعتذاره لأنه تحدث عن مستوى الأطباء الجدد وأنتقد ضعف أدائهم و إمكاناتهم العملية في مجال تخصصهم.

 

لقد اعتاد العراقيون على توجيه اللوم والاتهام في كل حادثة من هذا النوع وفي كل تصريح يفهم بغير مقصده حتى وإن كان التصريح حول أمر واقعي لا غبار عليه, ولست هنا في موقف المدافع عن الوزير وإنما في موقف الداعي إلى تفسير الحديث و التصريح الذي يصدر عنه أو عن غيره تفسيرا منطقيا يتناسب مع الوقائع والأدلة وليس تفسيرا عاطفيا أهوجا لا أساس له.   

 

ولو حللنا حديث السيد الوزير وانتقاده بشكل منطقي لوجدنا أن له الحق فيما ذكر علما إنني واثق بأن الرجل لم يقصد التعميم, فهناك من أبيضت عيناه كما يقال من القراءة والدراسة والمثابرة حتى وصل إلى كلية الطب مستمرا في سنواتها الست بنفس الهمة والمثابرة ليتخرج منها طبيبا ناجحا طموحا يعمل على صقل خبرته العملية من خلال عمله وتدرجه الطبي في المستشفيات والمؤسسات الصحية, وهذا من البديهيات, ليس في العراق فحسب بل في كل دول العالم.

 

منذ  العام 2003 والعراق يمر بفترة فوضى شملت كل مفاصل الحياة, وبشكل غير مسبوق, ولو ركزنا على مستوى التعليم لربط الموضوع بتصريح السيد الوزير لأحصينا عشرات القوانين والتعليمات غير المدروسة التي وضعت لشمول فئات معينة من العراقيين دون غيرهم ولأسباب سياسية و حزبية سببها المحاصصة المقيتة أنصبت لفائدة البعض على حساب باقي أفراد المجتمع ملحقة ضررا كبيرا بالمنظومة التعليمية التي كانت تضاهي برصانتها أشهر منظومات التعليم العالمية وفقا لمعايير منظمة اليونسكو.

 

إن الاختصاصات التي تمس حياة الإنسان بشكل مباشر مثل الاختصاصات الطبية لا يمكن التهاون بشروط القبول فيها لأن ثمن الخطأ فيمن يمارسها كبير جدا وهو خسارة حياة المريض, ومن القرارات اللامدروسة على سبيل المثال لا الحصر و التي دمرت المنظومة التعليمية بشكل عام والطبية بشكل خاص هي إعادة المرقنة قيودهم  بسبب فشلهم سابقا إلى مقاعد الدراسة مرة أخرى وقرار تشجيع عودة "الكفاءات" الذي لم يشمل أي كفاءة بالمعنى الصحيح للكلمة بل شمل المسجلين في الدراسات الطبية في الجامعات الأوكرانية والبيلاروسية والرومانية وغيرها من الجامعات التجارية التي تعتمد على جباية الأموال على حساب المستوى العلمي للطالب وهذا القرار بحد ذاته كان قرارا مفصلا على أبناء "البعض" من الذين أرسلوا أبناءهم الذين فشلوا في تحقيق معدل عال في امتحانات البكالوريا للقبول في كليات الطب العراقية الى تلك الجامعات ليقضوا عامهم الأول ثم لينقلوا في عامهم الثاني، بناء على ذلك القرار إلى كليات المجموعة الطبية العراقية ويتم مساواتهم باقرانهم الذين دخلوا كليات الطب باستحقاق, أما القرار الآخر فهو القرار الذي فتح الباب على مصراعيه بفتح جامعات جديدة في الأقضية والنواحي تحتوي في هيكليتها على كليات طب وصيدلة وطب أسنان دون توفر أدنى الإمكانات البشرية والمادية والتقنية ناهيك عن حمى فتح الجامعات والكليات الأهلية التجارية البحتة خلافا لمعايير الجودة العالمية التي  فتحت أصلا لمن يستطيع دفع عشرات الملايين للتسجيل في الاختصاصات الطبية لشراء الشهادة على حساب المؤهل العلمي الذي يحدده معدل الطالب في امتحان البكالوريا فسببت تلك القرارات وغيرها من القرارات المشابهة على مدى السنوات السابقة بظهور نخبة فاشلة من خريجي الكليات الطبية وهم من تحدث عنهم السيد الوزير.

 

لقد كان على الحكومة والبرلمان قطع الطريق على مثل تلك القوانين والقرارات لأنها خلقت أجيالا من الخريجين الفاشلين من جهة, ومن جهة أخرى, أغرقت سوق العمل المتهالك المعتمد على الوظيفة الحكومية فقط بعشرات آلالاف من الخريجين الجدد من أطباء و صيادلة وأطباء أسنان, تحول الكثير منهم إلى سماسرة لترويج وتسويق أدوية الشركات الأجنبية في السوق العراقية وظل البعض الأخر يائسا غير قادر على خدمة المرضى و علاجهم في بلد تعاني مؤسساته الصحية من دمار شامل وبشهادة المسؤولين أنفسهم, وكان على الحكومة والجهات المسؤولة عن التعليم أن تضع قيودا صارمة فيما يخص التعليم بشكل عام, والتعليم الطبي بشكل خاص وأن لا تجامل أو تحابي في قراراتها وقوانينها فئة معينة على حساب مصلحة البلد.

 

فيا معالي الوزير لا تفكر بالعقلية الانكليزية لأنك في العراق ولا تتحرش بكور الدبابير وإذا أردت أن تكون بمنأى عن الاستجواب وتقديم الاعتذار فاسمع نصيحة  الشاعر نزار القباني حين قال:

وكن بلا لونٍ، ولا طعمٍ، ولا رائحة..

وكن بلا رأيٍ..

ولا قضيةٍ كبرى..

واكتب عن الطقس ،وعن حبوب منع الحمل- إن شئت-

فأنت آمن..

هذا هو القانون في مزرعة الدواجن..

 

مقالات أخرى للكاتب