رأي

الكاظمي يمر.. فما صلته بصراع الـ"اطلاعات" والـ"سباه"؟

الكاظمي يمر.. فما صلته بصراع الـ"اطلاعات" والـ"سباه"؟

منتظر ناصر

 

إن لحظة الإجماع النادر التي ظهرت خلف مصطفى الكاظمي يوم تكليفه بتشكيل الحكومة (في 9 نيسان ابريل 2020)، لم تعبّر عن حقيقة ما يجري في الكواليس، فتواجد زعماء الكتل السياسية وممثليهم الذي أظهرهم بمظهر الداعم والحاسم للشغور السياسي القائم منذ شهور، لم يأتِ بدافع الإحساس بالمسؤولية، أو لتغيير في نهجهم المتمسك بالحصص والمغانم السياسية، بل جاء تعبيرا عن رفض قاطع لطريقة تكليف سلفه عدنان الزرفي التي كسرت هيبتهم، وانصياعا للعامل الخارجي الذي وقف وراء تكليف الكاظمي، فليس خافيا على أحد أن توافق أكثر اللاعبين نفوذا في العراق (الولايات المتحدة وإيران) دائما ما يكون حاسما في هكذا مسائل.

 

ولأن الكاظمي مصنف من قبل الدوائر والجماعات المقربة من الحرس الثوري الايراني، كأمريكي ومتهم بتهييج الشارع أو المشاركة في اغتيال قائد فيلق القدس بالحرس الثوري، الجنرال قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبومهدي المهندس بغارة امريكية قرب مطار بغداد الدولي (4 كانون الثاني يناير)، بالاضافة الى كونه مقربا من "كنعان مكية" الباحث العراقي المقيم في واشنطن الذي كان أحد ثلاثة أكاديميين التقاهم جورج بوش الابن قبيل حرب 2003، فان السؤال هو كيف حشدت إيران الدعم له على الرغم من كل ذلك؟

 

ولمعرفة تفاصيل هذه المسألة، لابد من الالتفات الى أنها تعود للصراع الداخلي الايراني بين الحرس الثوري "سباه" والمخابرات الايرانية "اطلاعات"، حول إدارة الملفات الشائكة، وبينها ملفات دول المنطقة فلكلا الجهازين الفعالين اللذين يعتبران سر نفوذ إيران في المنطقة، أدواته وآلياته في العمل داخل وخارج الحدود، حيث يعد العراق من أبرز الساحات لاختبار نجاعة وجدوى عمل كل منهما.

 

"سباه" أم "اطلاعات"؟

بعد انتصار الثورة الاسلامية في ايران 1979، سمح قائد الثورة الراحل الامام الخميني، باستمرار عمل أجهزة الدولة، على الرغم من مشاركتها بقمع أنصاره أيام شاه ايران، في خطوة حافظت على نسق الدولة الايرانية، لكنه في نفس الوقت، وانطلاقا من عدم ثقته بها وحفاظا على ثورته الناشئة، شكل "الحرس الثوري" كؤسسة أمنية موازية تغوّلت فيما بعد على حساب الأجهزة التقليدية (كالجيش والمخابرات).

 

وقد دخل مبدأ "ولاية الفقيه" كعقيدة أساسية للانضمام الى هذا الكيان الموازي للمؤسسة العسكرية النظامية، بدءا من تشكيله على يد رجال الثورة المخلصين لقائدها، وهم بلا شك لم يكونوا يحملون ودّاً تجاه نظرائهم في أجهزة الدولة التقليدية أو ما كان يطلق عليهم بـ"رجال الشاه".

 

تنامت قوة هذا الجيش الرديف على حساب الجيش النظامي كذراع عسكري للثورة، وأنشأ وحدات مؤثرة على المستوى المحلي والاقليمي كالاستثمارات الكبيرة في مجال الطاقة، ومن قبيل "فيلق القدس" الذي مارس أدوارا مخابراتية ومنحه استقلالا عن الـ"اطلاعات"، كما أنها شهدت أوج مجدها في عهد الجنرال سليماني (قادها بين 1998-2019)، وانتعشت بعد سقوط النظام العراقي السابق في 2003، حيث مارس قائدها أدوارا سياسية كبيرة، وصلت الى التدخل في صياغة معظم الحكومات العراقية بعدهذا التاريخ.

 

الصراع على العراق

الصراع بين الـ"سباه" والـ"اطلاعات" أخذ أشكالا مختلفة، ظهر بشكل علني في عهد الرئيس الأسبق محمد خاتمي مع أواخر تسعينيات القرن الماضي، وذلك بعد تخوين أحدهما للاخر، حيث اتهم "الحرس" أحد أبرز رجالات الـ"طلاعات" وهو سعيد إمامي (قيل انه انتحر في السجن 1998) بالتجسس لصالح اسرائيل، ليتصاعد الصراع بينهما ويأخذ أشكالا مختلفة.

 

وتعدى الصراع بينهما الحدود حتى وصل الى ملفات خارجية أبرزها الملف العراقي بعد سقوط نظام صدام 2003، حيث كلفت القيادة الايرانية العليا، الحرس الثوري (ممثلا بقائد فيلق قدس الجنرال الراحل قاسم سليماني)، بادارة ملف العراق، نظرا لعلاقات "الحرس" مع معظم القوى الشيعية القوية، وقد بلغت قوة "الحرس" أوجها مع وصول ابراهيم الجعفري لرئاسة الحكومة المؤقتة في 2005، إذ انحسر منذ ذلك الوقت دور المخابرات الإيرانية الـ"اطلاعات" في العراق، لاسيما بعد اتفاق "الجعفري- سليماني" الذي قطع الطريق أمام عناصر الـ"اطلاعات" ممن كانوا يتواجدون بكثافة آنذاك في أروقة المشهد السياسي العراقي، بدافع أيديولوجي، وهو "انحيازهم القومي" و"ابتعادهم عن التديّن"، كما أكد ذلك مصدر خاص عمل مع رئيس الوزراء الأسبق ورفض الكشف عن هويته، الأمر الذي ساهم بتحجيم دور المخابرات الايرانية في العراق، مقابل صعود واضح لدور الحرس الثوري الذي بلغ أوجه مع إعلان الحرب على تنظيم داعش (الذي شعرت إيران معه بخطر وجودي)، لكن ذلك لم يمنع الـ"اطلاعات" من لعب أدوار سرية، تحضيرا لمراحل لاحقة، بينها بناء شبكة علاقات مع بعض الأحزاب والشخصيات السياسية لم تتعاط مع حكومة عادل عبدالمهدي، بل أعلنت مناهضتها لها.

 

ومع اندلاع الاحتجاجات الشعبية في العراق مطلع تشرين الأول أكتوبر 2019، سنحت للمخابرات الايرانية فرصة الثأر من الحرس الثوري، عبر استثمار تلك الاحتجاجات أمام القيادة الايرانية العليا، بوصفها علامة فشل على أداء "الحرس" في إدارة الملفات الخارجية، الأمر الذي حاول الأخير رده بكل السبل وإعادة الأوضاع الى نصابها، إلا أنه وفي خضم هذا الصراع، ازداد مأزقه شدةً باغتيال رجله الاستثنائي "سليماني" في الغارة الأمريكية الشهيرة (فجر 3 كانون الثاني يناير 2020)، وبذلك يكون قد فقد جزءا كبيرا من سيطرته ونفوذه بالعراق، لاسيما وأن أنباء خاصة أكدت مقتل خليفته الأقرب الذي كان يعده للمرحلة القادمة، وكذلك مقتل صهره ومستودع أسراره، في ظل احتجاجات شعبية غاضبة ضد حكومة عبدالمهدي الموالية له، وصعوبة إيجاد البديل، وسط بروز حالات تمرد وانفلات لبعض الجماعات التي دعمها وأسسها سليماني.

 

نقاط الضعف هذه، أحرجت الحرس الثوري كثيرا أمام قيادة بلاده، ورغم أنه أبدى صلابة في الدفاع عن مواقفه ومكانته المدعومة بجماعات مسلحة وأحزاب سياسية، إلا أنه اضطر في النهاية للتنازل عن احتكار الملف والنزول عند رغبة مخابرات بلاده بتسليم الملف العراقي، شريطة الاتفاق على تقاسم النفوذ والأدوار، عبر ضمان ثلاثة شروط وهي بحسب مصدر سياسي مقرب من كواليس المفاوضات السياسية: "الأول: العمل على تقليص الوجود العسكري الامريكي في العراق، والثاني: عدم التعرض بالحل أو الملاحقة لفصائل الحشد الشعبي، والثالث: الحفاظ على العلاقات السياسية والاقتصادية بين العراق وايران".

 

الكاظمي هو الحل!

منذ تولي مصطفى الكاظمي منصب رئيس جهاز المخابرات العراقية في 2016، تمكن من تكوين شبكة علاقات دولية مهمة، وانفتح لأول مرة على مخابرات الدول الخليجية، فنجح الى حد ما في صفقات إقليمية اشتركت فيها دوائر ومخابرات دول سيُكشف عن تفاصيلها لاحقا، وقام بتوثيق العلاقة مع جهاز الـ"اطلاعات" بشكل أكبر، وقد أقر بذلك خلال زيارة رسمية لطهران (مطلع تشرين الأول أكتوبر 2016)، حين رحب بـ"التعاون الوثيق والاستمرار بتبادل المعلومات"، ما اعتبرته بعض المصادر المطلعة بداية لتنفيذ أو تسهيل عمليات مشتركة، ربما يكون من بينها عملية استدراج واختطاف المعارض الايراني البارز روح الله زم، في بغداد وتسليمه الى طهران (8 تشرين الأول اكتوبر 2019)، كل ذلك أهّله لأن يكون الأقرب للجهاز النافذ، والأنسب بترؤس الحكومة القادمة، عززه خلفيته الثقافية البعيدة عن الاسلام السياسي الشيعي الذي انضوى تحت عباءته كل أصحاب المناصب الرفيعة في الحكومات السابقة، وهو ما يساعد في تقبله من قبل الاطراف الأخرى، وقد ظهر ذلك جليا من خلال حضور مسؤولين رفيعين بالمخابرات الايرانية في كواليس التكليف، بينهم مسؤول الملف العراقي داخل الجهاز (الضابط أميري)، وهو الخيار الذي وصل الى الأحزاب والكتل السياسية الشيعية العراقية (المعنية بمنصب رئيس الحكومة وفقا للترويكا العراقية مابعد 2003)، خلال زيارة رئيس مجلس الأمن القومي علي شمخاني الى بغداد (في 7 آذار مارس 2020)، ولم يواجه باعتراض من قبل الحرس الثوري، خلال زيارة اسماعيل قاآني (خليفة سليماني) الى بغداد (في 30 اذار 2020)، وهذا ما تجلى عبر الحضور السياسي المكثف خلف الكاظمي يوم التكليف.

 

أما الاعتراضات التي نشاهدها على كابينته من قبل حركات وأحزاب سياسية مرتبطة بالحرس الثوري فلن يكون لها تأثير على تمرير الكابينة، لأنها تخص التفاصيل (توزيع الحصص أو بعض الأسماء داخل الكابينة) بهدف الحصول على مكاسب أكبر وليست اعتراضا على شخصه، ولن يصل الأمر الى هدم الاتفاق بين الـ"اطلاعات" والـ"سباه"، أو الى خلافات بين واشنطن وطهران، لذا بات من الواضح أن الكاظمي يقترب ببطء من تحقيق ما عجز عنه المكلفان السابقان محمد علاوي (اعتذر في الأول من اذار مارس الماضي) وعدنان الزرفي (اعتذر في 9 نيسان أبريل الماضي).

 

 

 

مقالات أخرى للكاتب