ثقافة

قاهر الدبابير

قاهر الدبابير

د. فراس مصطفى

بينما أنا جالس في حديقة منزلي العامرة بما لذ وطاب، أحتسي قهوتي وأقرأ كتابا جميلا، وإذا بدبور مستهتر يلسعني لسعة مباغتة جعلتني اقفز من شدة الألم أفسد علي متعتي التي طالما سعدت بها, قاطعا تأملي لتلك الزهور والأشجار العامرة التي يحسدني عليها جيراني المقفرة حدائقهم, فقررت ملاحقة هذا الدبور وقتله انتقاما لما فعل بي وما لحقني من الم، ناهيك عن إخراجي من مزاج رائق طالما رافقني في حديقتي الغناء, لكن زوجتي وأولادي ألحوا علي أن أتركه، فهو مستهتر وقد فعلها مرة وسوف لن يفعلها مرة أخرى.

 

للأسف.. أذعنت لرأيهم لكني سألتهم ماذا سنفعل لو أن هذا المستهتر قد جمع أتباعه المستهترين وأفسدوا علينا متعتنا وغزوا حديقتنا عابثين بمقدراتنا وقد يتجرؤون ويدخلون إلى منزلنا ويفسدوا عيشنا ثم يستفحلون ويتنمرون علينا ليجعلوا حياتنا جحيما لا يطاق؟ أجاب الجميع, لا تكن متشائما فهو مجرد دبور قد فعلها وولى وقد لا يعود ثانية, عش حياتك مرتاحا ولا تفكر فطالما نجلس بعيدا عنه فهو لن يطالنا.

 

مرت الأيام وبدأت الدبابير تتجمع وتزداد في الحديقة حتى حرمتنا من متعة الجلوس والاسترخاء والمطالعة والتمتع بروعة المنظر وعذوبة الجو والتأمل في كثافة الأشجار الوارفة وشم عبير الأزهار الجميلة وسماع خرير الماء العذب الذي ينعشها وينعشنا فصرنا حبيسي البيت لا نخرج للحديقة خوفا منها, وإن خرجنا فإننا نتعرض لشتى الإزعاجات, من طنين يجرح الأسماع وتعد صارخ وتحرش ولسعات.

 

وصل استهتارها إلى حد لا يوصف, اقتحمت الدار وصارت تعبث بطعامنا وتفسده وتسرق ما تستطيع سرقته ثم تتلف ما تبقى وباتت تسرح وتمرح في كل الدار وأصبحنا جاثمين في غرفنا لا صريخ لنا ولا منقذ يخرجنا من ورطتنا, نتبادل نظرات الندم ونندب حظنا على فعلتنا في ترك الدبور الأول دون عقاب صارم, لا نملك ما يواري سوءاتنا غير صمتنا وتضرعنا لله في خلدنا كي يخلصنا منها.

 

قررت أن أبحث عن حل لتدمير كور الدبابير وأن أستعين بذوي الخبرة والحكمة في علاجها, فسألت أصدقائي عن الحل لكنهم حذروني من العبث بكورها ونصحوني بأن أتركها أو أستعين بجهة أكبر, فقررت التوسع إقليميا في السؤال, طرقت باب البلدية علها تعيننا على تدميرها, فكان الرد, هذا شأن داخلي, وليس من مسؤوليتنا تدميرها, توسعت أكثر لأتصل بمن يملك السلاح والخبرة في القضاء عليها, لكن الفاتورة كانت طويلة عريضة تفوق إمكاناتي المادية, استشرت زوجتي وناقشتها بالثمن فقالت لندفع لهم فنحن لا نقوى على تلك الدبابير, اقترح أولادي التقشف وتوفير المال من مصروفنا كي ندفع جزءا من الفاتورة ونصحني أخوتي بالاستدانة ودفعها, فدفعها في نظرهم أسلم من مقارعة كور الدبابير, فهم يؤمنون دائما بالمثل القائل "أطعمني اليوم وجوعني غداً"!!

 

فكرت وفكرت وأعدت التفكير مرات ومرات, وسألت نفسي هل أتركها تعبث بي وببيتنا وتنتهك راحتنا وتصادر متعتنا؟ أم أستدين وأبقى تحت رحمة الدائنين كي أدفع فاتورة من يمتلك العدة لقتلها؟ أم أترك لها الدار وأهاجر؟ لكنني فضلت مهاجمتها في عقر دارها وليكن ما يكون.

 

ركزت تفكيري في خطة لتدمير كورها معتمدا على قدراتي المتواضعة التي يدعمها عزمي وإصراري الكبيران واستعنت بالله وتشجيع أهل بيتي، فهاجمتها في عقر دارها وبضربة واحدة قضيت على الكور بمن فيه وسحقتهم رغم طنينهم الذي لم يكن يُطرِب أحدا.

 

تعالت زغاريد زوجتي وتصفيق أولادي ولقبوني بـ"قاهر الدبابير", فعاهدتهم أن أعد العدة وأشحذ الهمة كي اقطع رؤوس الأفاعي الكبيرة وأذنابها, فالشهامة عندنا نحن العرب, تحتم علينا إلحاق الرأس بالذنب, فالشاعر العربي أبو أذينة ما كذب, حين قال: "لا تقطعن ذنب الأفعى وترسلها.. إن كنت شهما فاتبع رأسها الذنبا".

 

مقالات أخرى للكاتب