رأي

في سنين الحصار خلال عقد التسعينيات من القرن الماضي، سافر الكثير من العراقيين الى بلاد العالم المختلفة، بحثاً عن لقمة العيش والأمان، منهم من استقر هناك ومنهم من عاد إلى بلده، حاملاً معه شوق السنين وغربتها، وخبرة كدهِ وعمله، التي تؤهله في أن يفتح في موطنه مشروع يؤهله ويكفيه لتحمل عيشة العراق الصعبة.

 

من هؤلاء كان حميد المسافر المهاجر العائد الى بلده، بعد غربة قضاها في أستراليا، إستمرت أكثر من عشر سنوات، تعلم فيها الكثير من المهارات، وتحمل فيها لوعة الصبر والإشتياق، كان حميد عندما غادر العراق في عام 1996 لا يملك من الخبرة في الحياة إلا ثقافة بلدته المغمورة، التي لا تؤهله بأحسن الأحوال، إلا للعمل في الاشغال العضلية الجسدية.

 

لم تتح له الحياة فرصة التعلم ومواصلة الدراسة، كل ماكان يتقنه، هو العمل مع إسطوات البناء، فهو يعرف بالتفصيل كيف يخبط خبطة الطين لبناء التنانير الطينية، ويعرف مقادير خبطة السمنت والرمل لبناء الجدران ولبخها، ومقادير خبطة الرمل والحصى والسمنت والماء لصب السقوف المسلحة بالحديد، لم يترقى يوماً ويصبح (خلفة)، وإنما بقىَ يعمل عامل تحت إمرة ورحمة (الخلفات).

 

مع صعوبة الوضع الاقتصادي قرر مغادرة العراق، لم يكن يعلم بالضبط أين ستكون وجهته النهائية، لكنه كان يبحث حاله حال ملايين العراقيين الذين كانوا يغادرون العراق عن أي عمل لإعالة عوائلهم، أو للنجاة من خطرالضغوطات الأمنية. ولم يفكرحميد أيضاً في إصطحاب عائلته معه، كل تفكيره كان محصور في تأمين المبلغ الذي يكفي أجورالنقل ويكفي تكاليف ضريبة السفر التي كانت تدفع لمديرية الجوازات في تلك السنين، وقليل من المال يكفيه لتحمل الايام الاولى من وصوله الى الاردن، محطته الأولى في السفر.

 

وصلَ الاردن وعمل في الطرق الخارجية، يبيع البانزين والكاز المهرب من العراق عن طريق سيارات نقل الركاب والحمولة إلى الأردن، تجارة كانت رائجة في ذلك الوقت. خلال الأشهر الستة الأولى من وصوله الأردن، استطاع تدبير نفسه وجمع مبلغ من المال يمكنه من إرسال المساعدات المالية إلى عائلته ويدخر جزء منه.

 

خلال عمله تعرف على بعض الشباب العراقيين الطامحين بالوصول أبعد من الاردن، وحاولَ جاهداً فهم ما ينون وإلى أين يريدون السفر، صراع داخلي عنيف بدأ يراوده يومياً، وصراع آخر خارجي مع رفاقهُ حول فرص نجاح مغامرته، إذا رافقهم في رحلتهم القادمة. أخيراً إقتنع بكلامهم وتفكيرهم ونواياهم وقررَ مرافقتهم. المشكلة الوحيدة التي كانت تقلق حميد، أنه بدون مؤهل دراسي، وأصحابه يحملون مؤهلات علمية مختلفة، مما يجعل ذهابه أبعد من الاردن مغامرة غير محسوبة العواقب، لكنه رغم ذلك حسم أمره وقررالسير معهم ودخول معترك الغربة في أعمق مساحاته.

 

في السابق كان قرب المسافة بين العراق والاردن يهون عليه الكثير، لكن سفره الى استراليا ابعد المسافات عن بلدانه، وجعل فرص العودة محدودة جداً. في نفسه يحسبها ويحسمها، أخيراً يقرر ركوب موج البحار، هو ورفاقه مع مهربي البشر ليصلوا الى سواحل استراليا، تَلقَّطهم خفر السواحل الاسترالي، وحجزهم في مخيمات لجوء، وسمحوا لهم بتقديم طلبات اللجوء، وإزدادَ أملهم في أن تكون هذه المخيمات، منطلقاَ نحو حياة سعيدة تنسيهم ظلم الحصار وفقر الديار.

 

بعد عدة أشهر، قُبلت ملفات لجوئهم جميعاً، وتسلق معظمهم مستقبله بطريقة يسيرة ومنتظمة. أكرم أصبح طبيباً بعد أن أَقنَع السلطات الاسترالية بمعادلة شهادتهِ الحاصل عليها من العراق، وحسان أصبح معاون مهندس وعملَ في مصانع تحلية مياه البحر، وجليل أستقر في مدينة بيرث، وأصبح صحفياً يعمل في أحدى الوكالات، لما يمتلكه من إمكانيات وثقافة صحفية مكنته من تجاوز عقبة اللغة التي أتقنها خلال ستة أشهر، وجمال عملَ في إحدى المنظمات كعامل إغاثة لمساعدة اللاجئين القادمين إلى استراليا، ونجحوا جميعاَ في الحصول على الإقامة ومن ثم الجنسية.

 

أما حميد الذي كان يفتقر الى كل مقومات النجاح للعمل المدني في المؤسسات الاسترالية، التي تحتاج اللغة والعلمية والخبرة، بقيَ فترة من الزمن يبحث عن عمل، وفي نفس الوقت يعيش على المعونات التي تقدمها الحكومة الاسترالية للاجئين، لكنه كان مصر على إيجاد عمل لائق ومحترم، وإستطاع أن يعمل في البدء بمزرعة للابقارقرب مدينة ملبورن، وكان في ذاته ينظرويتطلع إلى رفاق دربه، الذين أصبحوا في أماكن أكثرراحة وإطمئنان، ليس حسداً، لكن رغبةً في محاولة مجاراتهم والتقرب من مستواهم.

 

في أحد الأيام، وجدَ ضالته التي قد تمكنه من العمل في مهنة قريبة مما كان يعمله في بلدته في العراق. التقى شخص أفغاني أسمه عبد الكريم خان، يعمل في الفخار والخزف وينتج اشياء رائعة من قطع الفخار والخزف، ليس كتلك التي تستخدم كأواني طبخ أوما شابه من إستخدامات الفخار التقليدية القديمة، بل إنها تصاميم وأشكال رائعة لكل ما يدور في خاطرك، وتشمل الفاسات والاواني المزينة وحتى اشكال الاحذية الخزفية، كان عبد الكريم خان مع مجموعة من العمال الصينين يبيعون منتوجاتهم لأحد المعارض المهمة في مدينة مولبورن.

 

فرصة حميد للعمل في ورشة الخزف كانت تتمحور حول إقناع الأفغاني عبد الكريم، عبد الكريم كان حريص جداً على مواصلة سر المهنة، لكنه في نفس الوقت يفهم أن عمله يحتاج تنوع ثقافي. وجد في حميد فرصة لتنويع عمال ورشته التي يعمل بها ثلاثة أشخاص من جنسية صينية، حميد من ثقافة مختلفة وبيئة مختلفة، ممكن أن يؤدي هذا التنوع إلى إثراء وتنويع إنتاجهم من الناحية الذوقية.

 

 بعد عدة محاولات من حميد قبل عبد الكريم حميد للعمل في الورشة معهم، بإجر لا يتجاوز الخمس دولارات للساعة الواحدة، وهو الحد الادنى لاجور العمال في استراليا في وقتها. فرح حميد بهذا العمل، وتذكر خبطة تنانير الطين والسمنت والجص التي كان يتقنها في العراق، واستطاع في مدة قياسية أن يتعلم المهنة ويبدع فيها، وأدى عمل حميد في الورشة إلى حدوث تنوع في الإنتاج وظهور لمحات فنية شرقية على منتجاتهم، مكنتهم من زيادة المبيعات.

 

تحولت الزمالة بين عبد الكريم وحميد الى صداقة، أصبح عبد الكريم وحميد أصدقاء يجمعهم العمل المشترك والدين الواحد وربما المصير المتشابه والمشترك الذي يجمع بين العراق وأفغانستان، وتمكن عبد الحميد من مواصلة حياته في أستراليا، لكن عينه على العراق وبلدته وحلمه في أن يعود يوماً ما، ويفتح ورشة مشابهة لورشة عبد الكريم في ملبورن الإسترالية.

 

استطاعت هذه المهنة أن تجعل من حميد إنسان آخر، نسيَ أنه بدون شهادة، وتَيقَّن إن المهارة قد تكون أثمن من الشهادة، إذا ما تم إتقانها وممارستها في بيئة سليمة. وبدأ يسأل عن رفاقهِ وصحبتهِ الذين التقى بهم لأول مرة على حدود العراق والاردن يبيع البانزين المهرب من العراق، وأخذ يقارن وضعه من وضعهم، وتطمأن أنه أصبحً لا يختلف عنهم كثيراً.

 

في عام 2002، ومع طبول الحرب الامريكية على العراق، قرر العودة الى العراق، ظاناً إن عودته ستحمي العراق من الضياع، أو تقلل من خسائر بلده، عاد وكله أمل ان يكون فناناً للخزف في بلده. بدأت حرب إحتلال العراق والحروب الطائفية ألتي مزقت البلد شر ممزق، وحاول في كل مرة أن يطبق تجربة الأفغاني عبد الكريم خان في العراق، لكنه يصطدم بموانع ومصدات خلفها الإحتلال، ويخفق في عمله لأسباب أمنية وإقتصادية وطائفية.

 

شعرَأ خيراً، أنه في حاجة إلى أن يكرر تجربة عام 1996، وعادَ هذه المرة إلى أستراليا وإلى ورشة عبد الكريم خان، عادَ ومعه جيل جديد من أبنائهُ، وترك العراق وبلدته التي حلمَ يوماَ أنه سيعود أليها حاملاً ما تعلمه هناك ليطبقه.رغم خيبة أمل حميد، يوماً ما يختفي الارهاب بكل مسمياته، وتعود للعراق سيادته المسلوبة، ويصبح ماء وتربة وشمس العراق قادرة على أن تنتج طين وفخار وخزف بكل ألوان قوس قزح الجميلة.

 

 

مقالات أخرى للكاتب