رأي

نحن جميعا بحاجة الى فيروز

نحن جميعا بحاجة الى فيروز

د. فراس مصطفى

استوقفتني الجملة التي كتبها الصديق السفير الدكتور حسن الجنابي على صفحته الشخصية في موقع الفيسبوك وهي (نحن جميعا بحاجة الى فيروز), فقد أعادتني هذه الجملة الى ايام الثمانينات حين كنت طالبا في الاعدادية وكنت استمع لفيروز بشكل يومي مع ملايين المستمعين غيري عبر اثير اذاعة بغداد حين كانت الاذاعة تخصص حيزا صباحيا لاغانيها الخالدة، فكان صوتها الشجي المميز الذي لا يشبهه صوت ابدا يثير المشاعر والعواطف خصوصا وان الاخوة رحباني قد ابدعا في اختيار اللحن المميز ونجحا أيما نجاح في توليفه مع الكلمات الرائعة ليمتزج بالصوت الملائكي لفيروز محققا بذلك سمفونيات غنائية تضاهي سيمفونيات بيتهوفن و موزارت و شوبان وغيرهم.

 

وعلى ذكر الصوت الملائكي, في لقاء إذاعي في سبعينات القرن الماضي عبر اثير الاذاعة المصرية مع موسيقار الاجيال محمد عبد الوهاب سأله مقدم البرنامج عن الأصوات التي لفتت انتباه عبد الوهاب فعدد عبد الوهاب مجموعة من أصوات ذلك الزمن الجميل مثل السيدة أم كلثوم وفريد الاطرش وعبد الحليم وكارم محمود ونجاة الصغيرة وغيرهم لكنه لم يذكر فيروز, فسأله مقدم البرنامج مستغربا وماذا عن فيروز؟ فرد عبد الوهاب بلهجته المصرية المميزة (يا إبني إحنة بنتكلم عن اللي في الأرض مش على اللي في السما, ده صوت ملائكي مش صوت بشر عاديين), وحين يصف عبد الوهاب صوت فيروز بالصوت الملائكي فأنه يعرف كيف يصف ومن يصف.

 

صوت فيروز وحد اللبنانيين اثناء الحرب الاهلية التي عصفت بلبنان ووحدها في أزماتها السياسية والاقتصادية فهي لم تغني الا لبيروت ولبنان ولم تغني لحزب ما أو لميليشيا معينة أو لشخصية بعينها ولم تغني لدين او لمذهب, لا للموارنة أو الدروز ولا للشيعة أو السنة إنما كانت تحمل عبر صوتها الملائكي رسالة تدعو فيها كل اللبنانيين الى المحبة, بدأ من محبة الله ومحبة الإنسان ومحبة الأوطان فكانت بذلك صمام الأمان الإنساني والعاطفي للبنان الذي عانى من ويلات الحرب الأهلية ومن الأزمات السياسية والاقتصادية التي تعصف بلبنان منذ عقود.

 

دخلت فيروز عقدها التاسع لكنها لم تتغير ولم تتبدل في اسلوبها الفريد في الدخول لقلوب اللبنانيين رغم تعاقب الاجيال, فلم تكن فيروز صوت جيلها كما كان البعض من مشاهير الغناء الذين اصبحوا مجرد تاريخ و تراث بعد رحيلهم إنما فيروز هي صوت الأجيال المتعاقبة, فحين تغني فيروز يطرب لها الصغير والكبير ويشعر بصوتها الملائكي الغني والفقير ويراها بصوتها حتى البصير, لم تغير تلك العقود الثمانية من عمر فيروز صوتها الانساني فقد كان بلسما شافيا حتى بدون لحن, فحين خرجت قبل اشهر تصلي لله ان يحفظ العالم من ويلات وباء كورونا إخترق صوتها عنان السماء وفتحت له ابواب الله لأنه صوت صادق نقي لا يحمل الحقد والكراهية.

 

فيروز لم تكن لبنانية فحسب, فكانت عراقية حين تغزلت ببغداد وشعرائها والصور وأهلها الاحرار اينما ذكروا و كانت اردنية حين وضعت عمان في القلب وفلسطينية حين صدح صوت لأجل القدس و فرنسية حين غنت لزهرة الحرية باريس, فيروز أيقونة الحب والعشق التي جعلت كل عاشق يحب معشوقته ببعد السماء وكبر البحر ويحبها في الصيف وفي الشتية, فيروز هي كل العالم حين تغني للسلام و حين تصلي لله وتدعوه أن يحمي البشر من شر الوباء.

 

مَنْ منا ليس بحاجة الى السلام ومن منا ليس بحاجة الى الحرية ومن منا ليس بحاجة الى الحب ومن منا ليس بحاجة الى الصلاة والدعاء ومن منا ليس بحاجة الى صوت فيروز الملائكي؟ لقد صدقت يا صديقي العزيز (فنحن جميعا بحاجة الى فيروز).

 

مقالات أخرى للكاتب