رأي

لماذا هجر المالكي "الطائر الاخضر"؟

لماذا هجر المالكي "الطائر الاخضر"؟

أحمد حسن الياسري

قبل اربعة ايام، تداولت مواقع التواصل الاجتماعي صورا تظهر لحظة ترجل زعيم حزب الدعوة الاسلامية "نوري المالكي" من سلم طائرة ايرانية، كان على متنها اثناء رحلته التي استغرقت ساعتين من مطار العاصمة طهران الى مطار بغداد الدولي.

 

سرعان ما تدفقت تساؤلات وتكهنات المحليين والمراقبين حول هذا الأمر، خاصة انها جاءت بتوقيت حساس للوضع العراقي ومصحوب بتشتت ما يسمى بـ"البيت الشيعي" بسبب الانقسام حول حكومة مصطفى الكاظمي "المدعومة دوليا والمطالبة من قبل مرجعية النجف بمحاسبة المسؤولين الفاسدين واحالة قتلة المتظاهرين الى العدالة" بين جبهتين (مؤيدٍ ومعادي) له، وكانت احدى الاحتمالات، ان تكون الزيارة المفاجئة "غير الرسمية" هي اما بطلب من طهران او تكون بمبادرة من قبل المالكي.

 

لكن الأهم حتما جدول أعمالها، رغم ان مكتبه الاعلامي صرح بذلك على انها "رحلة علاجية" في خطوة لردم الاستفسارات المحرجة لرئيسهم، على اية حال، ما علينا هو معرفة أولاً، لماذا استخدام المالكي طائرة ايرانية بدلاً من الخطوط الجوية العراقية؟ هذا سؤال منطقي يتبادر في اذهان الكثير، وحقا استوقفنا هذا الفعل وحاولنا مع المقربين له ايجاد تفسرا له، غير انهم تهربوا عن الإجابة.

 

من المعروف ان القيادات او الزعامات السياسية متاح لها استخدام طائرات الخطوط العراقية في الزيارات الخارجية، لانها تتم بالتنسيق مع وزارة الخارجية وتكاليفها  تتحملها ميزانية الدولة، علينا ان نتصور، ان "الرحلة علاجية" والمسافر أراد استخدام شركة طيران اقل تكلفة ووجد من الطائرة الايرانية مناسبة قياسا بقيمة تكلفة العراقية، ويبقى هذا الاحتمال ضعيفاً، ربما هناك شيء أبعد من ذلك، بحيث الامر يجعلنا نطرح تساؤلا يندرج ضمن محاولة المالكي إيصال رسالة عبر رفض استخدام الطائرة العراقية، اذن ما هي؟.

 

يبدو ان الاحتمال الوارد أراد ان يبرهن انه لا يثق أمنياً بالخطوط العراقية، لو كان ذلك فما طبيعة هذه المخاوف؟ هل يستشعر السيد المالكي احتمالية استهدافه او اختطافه وهو في متن طائرة الخطوط العراقية؟ اذن من هي الجهة التي يحتمل ان تخترق امن مطار بغداد الدولي للقيام بذلك؟ هل هي عراقية ام اجنبية؟.

 

ان هناك رواية تتحدث انها رسالة غير مباشر يريد منها اظهار عدم الاطمئنان والارتياح لاجراء الكاظمي بعد اقالة العديد من المسؤولين في سلطة الطيران ومطار بغداد القريبين من جبهته السياسية؟ لو صحت هذه الرواية فما هي اهمية هؤلاء المقالين له، وهذا سؤال لا يستطيع احد الاجابة عنه.

 

لكن ربما الامر متعلق بالعزلة التي يمر بها المالكي وشعوره بالضعف بتأثير اللعب بالتوازنات السياسية بعد اصطفافه الى الجبهة الايرانية (الحرس الثوري)، جعلته يشعر باحتمالية ان يتعرض الى فعل مشابه لما حصل لـ"قاسم سليماني" في مطار بغداد!. وهذا في طبيعة الحال أمر غير منطقي لان (الوظيفية والانتماء والتهم وغيرها من العوامل) مختلفة كلياً بين الاثنين فلا يوجد أوجه تشابه بينهما. 

 

عموما هناك حديث عن ان استخدام الطائرة الايرانية تتضمن بعث رسالة بان حلفاء ايران في العراق لا يثقون بأسطول طائرتهم وأجوائهم التي تخضع للصيانة والرقابة الامريكية، واظهار سمعة سيئة عن الطائرات العراق، بهذا ايضا تكون دعائية مجانية لخطوط الجوية الايرانية بعد امتناع العديد من استخدامها بسبب فرض العقوبات الاميركية وتراجع سمعة سلامتها!.

 

الزيارة قد تشكل قلقا للكاظمي ومؤيديه من قيادات حزب الدعوة المتمردين على زعامة المالكي وأبرزهم حيدر العبادي وعبد الحليم الزهيري، كما انها تشكل ازعاجا لجبهة الاصلاحيين (الاطلاعات) الايرانية الداعمة لحكومة بغداد، واتضحت بوادر هذا من خلال قيام المالكي فور وصوله مباشرة باللقاء مع رئيس مجلس الشورى الايراني محمد باقر قاليباف القيادي السابق في الحرس الثوري الأيراني والداعم الاكبر لفليق القدس الايراني، الذي ضغط فور تسلمه منصب الشورى من اجل تقديم مشروع يضمن تعزيزا ماليا للفيلق لضمان سلطة الحرس في مناطق النفوذ (العراق ولبنان وسوريا) بعد حادثة اغتيال سليماني.

 

ولم يعلن عن اجتماع للمالكي مع مسؤولين حكوميين كالرئيس حسن روحاني ووزير الخارجية محمد جواد ظريف ورئيس مجلس الامن القومي الأيراني علي شمخاني، هل هذا رفضا منهم او منه شخصيا لدعمهم للكاظمي؟ وهنا ينبغي الإشارة الى ان الاصلاحيين بالعموم مناهضون لجبهة الحرس الثوري وتيار المحافظين المتشددين ووجدوا من الكاظمي الوجهة الجديدة للتحالف معه في العراق بدلاً من الخضوع لشروط المالكي الذي لم يعد ذلك اللاعب الأساسي.

 

غير انه وفقا للمعلومات المتداولة ان الاخير اجتمع سراً باسماعيل قاإني قائد فليق القدس الايراني كما التقى بعدد من أعضاء مجلس صيانة الدستور، كما ان الزيارة لم يعلن فيها عن لقائه بالمرشد الاعلى علي خامنئي، فاذا كان اللقاء تحقق فلماذا لم يعلن عن ذلك، حيث انه معروف ان المرشد يعلن عن لقاءاته مع اي شخص يقابله، بالتالي المقابلة مع المرشد معلومة ضعيفة وربما مستبعدة، الأهم هنا، لماذا لم يلتق المرشد وماهي الاسباب؟ هل المرشد رفض طلب لقاء المالكي أم أن الاخير تجاهل زيارة المرشد؟.

 

اعتقد ان الاحتمال الاول هو الوارد فخامنئي يتحاشى الاحتكاك مع المرجع الاعلى السيد علي السيستاني ويراعي خصوصية البيانات التي يصدرها خاصة في الحث على محاسبة المتورطين في سرقة المال العام، وعند الحديث عن المسؤولين الفاسدين تذهب اصابع الاتهام باتجاه حكومة المالكي، والمالكي شخصيا، الذي أستمر في رئاسة الحكومة ثماني سنوات في ظل ميزانيات مالية صخمة، وان هناك اجواء مهيئة سياسيا واجتماعياً مدعومة من قبل المرجع الاعلى لمساءلة جميع المسؤولين وعلى رأسهم نوري المالكي قضائيا بتهم فساد مالي واداري وجرائم تعرض لها الشعب العراقي.

 

بالتالي فان خامنئي يحافظ على التوازنات ولا يريد ان يوصل رسالة خاطئة للسيستاني، عبر مقابلة المالكي التي يريد ان يستفيد منها في تحصين نفسه من خلال عباءة المرشد، وهنا بدأ المسؤولون الإيرانيون يرضخون الى تطلعات العراقيين حكومة وشعبا في التعامل الأطراف الحكومية حصرا وترك التعامل مع العراق على أساس دولة خالية من سلطة قانون حتى تنشل الإيرانيين من خطر خسارة كل المكتسبات التي حصدوها في العراق، خاصة انهم يشعرون باحتمال تخفيف نسبة حجم توريد المواد الاستهلاكية وطاقة للعراق.

 

وكانت صحيفة اعتماد الايرانية القريبة من تيار الإصلاح، قد نشرت تقريرا حذرت فيه من ازمة خانقة تعصف بايران بعد مساعي العراق للاعتماد على المحروقات النفطية كوقود للكهرباء وبدلا من استيراد الغاز من طهران.

 

ان زيارة المالكي تبقى مصدر قلق للكاظمي وإزعاج للاصلاحيين (الاطلاعات) وهو مرهون بإعادة احياء تأثير جبهة الحرس الثوري من خلال الضغط على مجلس صيانة الدستور والخبراء، وكذلك على المرشد الاعلى بتكليف جبهة الحرس بالتحكم مجددا بالسياسة الخارجية الايرانية تجاه العراق، وهذا مستبعد في ظل صعود تاثير الاصلاحيين المؤيد بفعل الدعم الجماهيري الشعبوي في ايران وإصرارهم على التمسك في إدارة ملف مناطق النفوذ وخاصة العراق، وقطع يد الحرس من اي تفاوض بالملفات الاستراتجية سواء كانت سياسية او  امنية او اقتصادية وتجارية. 

 

في مقابل ذلك، ان الاطلاعات والحرس الثوري يتفقان على مفصل واحد هو حماية الأحزاب الاسلامية الشيعية في موسم الانتخابات المقبلة التي يرفضها الشارع في جنوب ووسط العراق، وكذلك مرجعية النجف ناقمة منها والتي تنصح بعقد الانتخابات المبكرة لتغيير المعادلة السياسية من خلال مجيء بتيارات مدنية مستقلة داعمة لمشروع المواطنة الحقيقي.

 

وبالتالي فايران كدولة بشقيها "الحرس والاطلاعات" تخشى من انتخابات مبكرة، اذ انها تعرب عن خيبة أملها الكبرى بعد ان خسرت الاحزاب الاسلامية الشيعية والسنية الموالية قواعدها الجماهيرية، كما ان تلك الاحزاب تكبدت بخسارة اكثر من ثلاثة ارباع نفوذها الذي كان موجودا في شبكة مفوضية الانتخابات، سواء في الفروع او بالمقر الرئيسي الذي كان يشرف عليه موظفون تابعون لهم وكانوا يديرون عملية التزوير بحرفية عالية.

 

ايران تمر بمرحلة خطر حال نجحت الانتخابات المبكرة وصعد التيار المدني العلماني بقيادة شباب تشرين، وان هناك ترتيب لخروج تيار من هذا الشكل والمظهر يقوده الكاظمي سرا على مستوى بغداد والفرات الاوسط والجنوب، والمعطيات تشير الى تفوق هذا التيار الجديد بكسب الأصوات من قواعد جمهور الاحزاب الاسلامية، فهل ستهزم الاحزاب الاسلامية؟.

 

المالكي مازال متسكا بمبدأ (نحن لانهزم) ويريد تحشيدا ايرانيا واسع النطاق (الحرس والاطلاعات)، وبدعم حلفاء ايران في المنطقة لحماية سلطتهم كما يريد المالكي من ايران ان لا تنسى ما قدمه خلال فترة توليه السلطة لثمان سنوات من أجل إعادة تعزيز نفوذها في العراق، إذ كان له دور بتسهيل توغل الايرانيين عبر العراق الى سوريا ولبنان، مضيقا الخناق على خصوم طهران، بالاضافة الى توسيع نشاطها التجاري والاستثماري، كما ساهم في الإفراج عن قيادات الفصائل التابعة للحرس الثوري المحتجزين لدى الجيش الامريكي انذاك، فهل سيتجاهل الإيرانيون هذه الخدمة له من اجل مصلحة بلادهم الكبرى؟

 

عمليا، المالكي بعد خسارة علاقته بالصف الاول ورحيل ابو مهدي المهندس، ضعف رغم محاولته الوقوف الى جانب هادي العامري، لكن يعتقد ان الاخير لا يعتمد عليه داخليا في تحقيق الاهداف والمصالح وان العامري يميل الى كفة التوازن بين الإيرانيين والأمريكان، ويقف الى جانب مصطفى الكاظمي ويحذر من المساس برؤية وتطلعات المرجعية في النجف، لهذا يسعى المالكي للضغط على محور الحرس الثوري الايراني من اجل اعادة ترتيب الاوراق مجددا للمرحلة المقبلة من أجل الاطاحة بحكومة الكاظمي المدعومة من قبل تيار الاصلاحيين، وفي هذه الحالة نجد الصراع بين جبهتي الاطلاعات والحرس الثوري في داخل طهران وفي العمق العراقي يتوسع، في وقت تجاهلت الصحافة الايرانية تماما زيارة المالكي بعد ما كانت تهتم حتى في مواقفه وبياناته الرسمية!

 

مقالات أخرى للكاتب