رأي

كيف تم تأنيث انتفاضة تشرين؟

كيف تم تأنيث انتفاضة تشرين؟

د. رؤى الدرويش

عام كامل على الانتفاضة الشعبية التي حدثت في وسط وجنوب العراق والتي اتسمت بمشاركة شريحة واسعة من ابناء الشعب العراقي وبشكل خاص الفئات الشبابية التي سعت بخروجها ومطالبتها بالتغيير لإرجاع جزء من حقها المسلوب من قبل الاحزاب الحاكمة التي همشت الشعب سنين طويلة وحكمته تحت مسميات وشرائع شتى واستغلت عواطفهم وانتماءاتهم، خرجت تلك الانتفاضة بشعار (نريد وطن) ليكون الخطوة الاولى نحو بناء وطن مبني وفق اسس مدنية ديمقراطية.

 

ما ميز هذه الحراكات الشعبية هو الحضور الاستثنائي للمرأة التي لعبت دوراً جوهرياً وفعالا، وقد كانت لها بصمة مميزة في كل مزايا الحراك, فنجدها عاملة في المطبخ ومشاركة في حملات التنظيف ومسعفة ومتظاهرة وقائدةً للجموع الشبابية الهاتفة نحو غد افضل, وحتى التي لم تستطع الخروج والتظاهر, فقد شاركت عن طريق نشرها ودعمها للتظاهرات في مواقع التواصل الاجتماعي, وكذلك المشاركات المالية لدعم التظاهرات والجرحى ممن سقطوا جراء اساليب القمع التي اتبعتها بعض الجهات.

 

لم تكن مشاركة المرأة في الحراك الجماهيري التشريني مشابهةً لمشاركتها في العملية السياسية بعد ٢٠٠٣ نتيجة الكوتا التي  تنافست عليها أحزاب لا تؤمن اصلا بدورها سوى حاجتها لتكون عدداً في قائمتها الانتخابية، استكمالا لنسبة 25%، والتي تسببت للمرأة بكوارث اساءت لقضيتها وشوهت دورها مستكملة بذلك التشوّه السياسي والاقتصادي والامني الذي شهدته البلاد والذي نتجت عنه هذه الانتفاضة الشبابية العارمة.

 

أما الان ومع تصدرها المشهد السياسي الحقيقي, فانها اثبتت إنها لا تحتاج الى نسبة مشاركة زائفة، بل اقتحمت المواقع بتواجدها الدائم في سوح التظاهر، حتى في أكثر المدن تحفظاً، حيث وقفت في صدارة الموقف، لذا فان مشاركتها المقبلة في عملية البناء ليس كرقم مكمل لأحزاب لم تقدم للوطن سوى الدمار والخراب والسرقة, انما كنعصر فعال في بناء وطن يحلم به الجميع.

 

إذن وبعد مرور اكثر من عام على هذا الحراك نجد ان من الضروري استمرار هذا الحضور اللافت ليعم كل المجالات الاجتماعية والسياسية والثقافية فتعود المرأة متصدرةً المواقع الامامية للمجتمع, ولتكون عنصراً فعالاً ومشاركاً في كل ميادين الحياة. ولأجل إدامة هذا الزخم النسوي الجديد, فعلى المرأة أن تحدث تحولا في مسارها الثوري من حالة اثبات وجود وهوية والذي اكدته الشعارات التي رفعتها في الساحات (هاي بناتك يا وطن هايه..), الى مرحلة المطالبة بالحقوق والحريات, اذ وحسب احصائيات هيئة الامم المتحدة لشوؤن المرأة, يتضح ان ملايين النساء في العراق يعانين من صعوبات العيش والافتقار لابسط الحقوق، ويعود ذلك إلى التهميش الممنهج الذي تتبعه الحكومات المتعاقبة تجاه هذه الشريحة، بالاضافة إلى حالات العنف الأسري وأزمات الصراعات العشائرية والنزوح الجماعي نتيجة الحروب.

 

فقد وجد ان ان 14% فقط من النساء العراقيات يعملن خارج البيت، وهذا يعني أنَّ 86% من النساء العراقيات لا يتمتعن بالاستقلالية لأنَّهن لا يملكنَ دخلاً خاصاً بهن, مع اكثرمن 3 ملايين أرملة من دون معيل, ونساء أميات تصل نسبتهن الى 50%, ونساء معنفات بنسبة تفوق 46%. كل ذلك يحتاج الى تشكيل لجان للدفاع عن حقوق المرأة, مع اصطفاف للرأي العام حولها والكف عن المراوحة والمراوغة والصمت وأخذ موقفاً سياسياً وأخلاقياً للانطلاق الى العمل اللاحق في فترة التهيئة لنظام جديد.

 

ولنذكر جميعا بأن الانتفاضة التي قامت من أجل الكرامة والعدالة والحرية، لا يمكن تحققها بتغييب المرأة عن المشهد العام. رأينا بالامس نساء يمارسن الفعل الثوري بكل تجلياته في قيادة مظاهرات واعتلاء المنصات الاحتجاجية و تقديم الدعم اللوجستي ,ولذا فان رموز الشهادة لا تقتصرعلى شهداء الرجال فقط, بل هناك العديد من النساء سقطن شهيدات في سوح الاحتجاج.

 

ولنذكر دائما ان رفع شعار (الثورة أنثى) و(أجمل ما في ثورتنا نساؤها) لم يأت من فراغ أو مجاملة، إنما من الحضور الواسع والتأثير الهائل والقوي للمرأة العراقية في ساحات التظاهر.

 

 

مقالات أخرى للكاتب