رأي

هوية الطالب الجامعي

هوية الطالب الجامعي

محمد عايش عبداللطيف الكبيسي

ما يقال من أن أكثر من 75% من الطلبة المتخريجين من الجامعات العراقية الحالية، لا يستحقون لقب البكلوريوس، قولٌ فيه الكثير من الصواب، وذلك إذا عدنا وتمعنا بمعايير الطالب الجامعي التي تعتمدها الجامعات الرصينة، سنجد إختلافاً كبيراً بين طالب  خريج جامعة كامبردج وطالب خريج جامعة فلانية أخرى مغمورة.

 

يتصف واقع حال الجامعات العراقية التي تضخمت على حساب المعاهد الفنية والإدارية وألإعداديات المهنية، بأنه واقع كمي غير نوعي. فأن إحتواء محافظة عراقية واحدة ثلاث أو أربع جامعات وكذا عدد من الكليات، فهذا ما لا يتناسب مع كل الخطط التنموية والمعايير المؤسساتية. محافظات لا يتجاوز عدد سكانها المليون أو المليونين وتعاني من البطالة بكل أنواعها وتخلو من المشاريع الستراتيجية العملاقة وفيها كذا عدد من الجامعات !

 

هل هذه الحالة تعتبر حالة صحية ومقبولة؟ وهل إنتقادنا لوجود هذا العدد الكبير من الجامعات يعتبر نوع من أنواع بخس حقوق الطلبة؟ وهل هذه الأعداد الكبيرة مرصودة ومعلومة وموجهة ضمن خطط التنمية؟ أم هي فورة في أعداد الخريجين مع ضياع الخطط التنموية التي تستوعبهم؟ الأجابة معلومة لديكم ولاتخفى عن عراقي يعيش بين ظهراني دجلة والفرات.

 

الجامعات العراقية، لوإستثنينا منها الجامعات العريقة في العاصمة بغداد والموصل والبصرة، فهي جامعات تدرس مناهج معتمدة، لكنها تفتقر إلى التنوع الثقافي بين أعداد طلبتها الدارسين تحت قبة حرمها. السؤال المهم،.كيف يمكن توصيف جامعات المحافظات؟ هل هي جامعات بمعنى الكلمة وإستطاعت أن تجمع مختلف أنواع الطيف العراقي، ليتحقق ويتجسد مسمى الجامعة؟ أم هي عبارة عن ثانوية كبيرة مختلطة؟ بتعبير آخر هل عنصر التنوع الثقافي موجود فيما بين الطلبة والأساتذة ؟

 

 وإذا ما علمنا من أن أبجديات الجامعة لا تقتصر على منهج وعلم يؤخذ من أفواه الأساتذة وصفحات الكتب، فعلينا أن نرجع إلى أجندات ونشاطات الطالب الجامعي التي يقوم بها داخل أسوارالجامعة. لكي تكتمل شخصية الطالب الجامعي، فهو مطالب بالشعور بالنقلة  النوعية الثقافية من التعليم الثانوي الى التعليم الجامعي، وهذا لا يحدث بمجرد وجود الإختلاط بين الذكور والإناث، بل يتطلب الكثير من التطبيقات والسلوكيات التي يحتاجها الطالب الجامعي لكي تكتمل صورته.

 

سأعطي مثالاً بعيداً، يرجع بنا إلى عقود الثمانينيات والسبعينيات من القرن الماضي، عندما كانت الجامعة بكلياتها تضم تنوع ثقافي كبير فيما بين الطلبة والأساتذة. فعلى المستوى المحلي كانت الجامعة تضم طلبة من قوميات عربية وكرديةوتركمانية، ومن الديانات هناك طلبة مسلمين ومسيحيين وصابئة ويزيديين وربما يهود، ومن المذاهب هناك السني والشيعي بتفرعاتهم،ومن التيارات كان هناك الإسلامي والعلماني والقومي والشيوعي. وعلى المستوى الإقليمي والدولي فهناك الطلبة العرب والأجانب من مختلف الدول تقريباً، كانو يتعلمون في جامعات بغداد والموصل والبصرة. وهؤلاء كانوا جميعاً يلتقون ويتزاملون ويتحابون ويختلفون داخل أسوار الجامعة وفي الأقسام الداخلية. وهذا الشيء نفسه ينطبق أيضاً على الأساتذة وتنوعهم الواسع.

 

التنوع كان ميدانه واسع، والثقافات كانت متعددة، والإختلاط والتفاعل فيما بين الطلبة كان أكثر غزارة وإنتاج، وكانت النتيجة أن الأربع أو الخمس أو الست سنوات ألتي يقضيها الطالب في الجامعة تبني طالب ذا شخصية مثقفة ثقافة عميقة، أساسها المعرفة الواسعة للعديد من الممارسات والفعاليات الثقافية، يضاف لها التخصص العلمي.

 

هذا ما رأيناه في الجامعات العراقية الرصينة التي كانت تعد على عدد أصابع اليد، وهذا أيضاً مازال موجود في الجامعات العالمية الرصينة التي مازالت تحتضن الطلبة من مختلف أرجاء العالم بغض النظر عن ديانتهم أو قوميتهم أو عرقهم.

 

مثالي الآخر، هو من إحدى  الجامعات العراقية التي أسست في نهاية عقد الثمانينيات وما تلاها، الأنبارعلى سبيل المثال وليس الحصر، وهو يكاد ينطبق على معظم المحافظات العراقية التي أسست فيها جامعات في عقد التسعينيات وما تلاه، فأن نسبة كبيرة من طلبتها قادمون من مدن وأرياف الأنبار، الذين لديهم مشتركات كبيرة، ولا يختلفون فيما بينهم إلا من حيث المستوى المعيشي، لهجتهم واحدة أو اثنان، وديانتهم الاسلام ومذهبهم واحد، وثقافاتهم وسلوكياتهم متشابهة، إذاً عنصر التنوع محدود جداً. الطالب في جامعة الأنبار ربما سيحصل على نفس المادة العلمية التي يحصل عليها نفس الطالب في جامعات بغداد والموصل والبصرة، لكنه لا يتعرف ويكتسب الثقافات المتنوعة لقلة عدد الطلبة الوافدين من مختلف أرجاء العراق ومن خارجه، بالنتيجة فهو سيبقى في طور متقدم من شخصية الطالب الثانوي، ومن الصعوبة أن يكتسب كامل أهلية الطلبة الجامعيين.

 

ولا يمكن لنا التوقف عند هذا الحد ، فأن المستوى العلمي المتدني للطلبة ايضاً يقلل من بريق ولمعان الطالب الجامعي أو حامل درجة البكالوريوس، بالإضافة الى إن طقوس الجامعات  العريقة التي كانت تحافظ على إبرازها الجامعات في أوقاتها المحددة، فهي الأخرى تلاشت وذهبت أدراج الرياح وأستبدلت بسلوكيات حديثة أفرزتها التقنيات الحديثة.

 

لذا من يريد أن يصبح طالباً جامعياً بمعنى الكلمة عليه التوجه نحو الجامعات التي تقع خارج محافظته، ومن يريد أن يحصل على شهادة البكالوريوس لغرض التعيين فاليذهب إلى أقرب جامعة من ثانويته التي تدرج منها.

 

ومن أجل أن نُبعد الجامعات عن شبهة الطائفية والمناطقية ونبقيها بعيدة عن تاثيراتها، ينبغي أن تكون الجامعات في المحافظات هي المبادرة في تقليل الفارق بين طلبة المحافظات، وتساهم في دمجهم معاً في صف واحد وقسم واحد وكلية واحدة وجامعة واحدة، طلبةالانبار وطلبة ميسان والناصرية وصلاح الدين ينبغي أن تحويهم جامعة واحدة وكلية واحدة وفي قسم داخلي واحد، مثلما كانوا في السابق، وبهذا تكون الجامعة قد طورت من أدائها وخرّجت طلبة ذو ثقافات متنوعة، وفي نفس الوقت ساعدت في التقليل من تأثير وتداعيات الطائفية المقيتة.

 

مقالات أخرى للكاتب