رأي

نون (النحس) و(نونات) أخرى

نون (النحس) و(نونات) أخرى

د. فراس مصطفى

نشر الأستاذ الدكتور عبد علي سفيح المتخصص في علوم التربية والذي يعيش في فرنسا منذ عقود منشورا في صفحته على الفيسبوك تحدث فيه عن (النون) وهو الحرف الأول لكل مصدر من مصادر التصنيف العالي التي يمتلكها العراق كتعبير مجازي بديل عن استخدام النجوم المستخدمة في تصنيف الجودة والخدمة, حيث منح العراق (خمس نونات) كمرادف لتصنيف الخمسة نجوم, وابتدأ تصنيفه بالنون الأولى, (نون النهرين) أي دجلة والفرات ثم عرج على النون الثانية وهي (نون النفط) وتحدث عن (نون النخيل) ثم تطرق إلى (نون النخب) وختم التصنيف بنون النبي يونس المشهور (بذي النون).

 

في الحقيقة إن العراق لا يقتصر في تصنيفه على (الخمس نونات) التي ذكرها الدكتور سفيح رغم إنها كافية لتجعله بلدا فريدا من نوعه مقارنة بدول المنطقة ودول العالم لما يمتلك العراق من تلك (النونات), ما يجعله في مصاف الدول المتقدمة التي استفادت كثيرا من النخب العراقية المهاجرة ناهيك عن الفوائد التي حققتها في استثمار نفطه ومحاولة السيطرة على منابع مياهه وتسويق منتجاتها الزراعية على حساب زراعته العريقة.

 

من تلك النونات التي رفعت اسم العراق هي (نون النسوة), فنساؤه ولادات, ولدن شخصيات باتت مفخرة ومضربا للأمثال, مثقفون وشعراء وكتاب وأطباء وعلماء ومفكرون وأساتذة وثوريون ومقاتلون أشداء تركوا بصماتهم في كل العالم, وهن عظيمات ومبدعات تركن أرثا كبيرا وأثرا مميزا وحجزن مكانة في سجل التاريخ الناصع, فخلد التاريخ أسمائهن بحروف من نور, زها حديد ونازك الملائكة ونزيهة الدليمي ولميعة عباس عمارة وغيرهن الكثير في وقت كن فيه نساء الدول المحيطة يجمعن العلف للحيوانات.

 

العراقي صاحب (نون النخوة), فالنخوة العراقية مشهود لها, ويشهد له التاريخ إنه أول من لبى النداء لدعم فلسطين وأهلها ضد الاحتلال الإسرائيلي, فالجيش العراقي أول جيش دخل مدينة جنين عام 1948 وأول من دافع عن فلسطين في حربي 1967 و1973 في الوقت الذي كانت بعض دول المنطقة تتآمر لبيع فلسطين وشعبها, وما مقابر شهدائه في جنين إلا خير مثال عن تلك الصفة الملاصقة لشخصية العراقي.

 

اما (نون النقل) فلا بد أن يشار لها بالبنان, ففي الوقت الذي كانت شعوب المنطقة تتنقل على البغال والحمير كانت بواخر شركة الهند الشرقية تجوب نهري دجلة والفرات محملة بالبضائع وكانت باصات شركة نيرن الحديثة تشق البوادي وتجوب الوديان والجبال وكانت سكك الحديد قبل أكثر من مئة عام تصل بغداد ببرلين, أما طائراته المدنية الحديثة فكانت تهبط في أقصى بقاع الأرض.

 

و(نون النهضة) لا تقل أهمية عن تلك النونات التي ذكرتها سابقا, فالعراق كان أول الدول التي نهضت ونفضت عنها غبار الاحتلال العثماني الذي لم يخلف سوى الجهل والفقر والدمار على مدى أربعة قرون واستطاع في وقت قصير أن يبني أرقى البنايات وأن ينشأ أفضل المصانع وأن يؤسس أرقى الجامعات والمؤسسات المدنية حين كانت أمنية زايد بن سلطان ال نهيان الكبرى هي جعل دبي مثل البصرة.

 

لو أحصينا عدد (النونات) وما يمتلكه العراق منها لفاق التصنيف ما ذكرناه أنفا لاسيما وإن العراق يمتلك منها ما يجعله أعظم بلدان العالم وفي شتى المجالات, ولو قدر له أن تكون (نوناته) بأيدي أمينة وحريصة لكان حاله غير الحال الذي هو عليه اليوم, لكن, وآه من هذه ال( لكن) التي تحمل خلفها شجون والآم كثيرة بسبب ما آل إليه حال البلد من تدمير وفساد وسرقات وتجهيل مقصود.

 

بالرغم من امتلاك العراق هذا الكم من نون التصنيف العالي إلا أن هناك نونات خبيثة مزقت كيانه وحطمت كل ما بناه, (نون النهب) و(نون النفاق) و(نون النحس) التي لازمته حتى أنهكته, لكن تلك النونات الخبيثة سوف لن تبقى تلازمه طالما إن هناك نخبا تتحلى بالنخوة وتحافظ على نهريه ونخيله ونفطه وعلى أضرحة أنبيائه وأئمته وأوليائه الصالحين التي تملأ أرضه المباركة.

 

مقالات أخرى للكاتب