رأي

بغداد عطشى وتغرق.. نبوءة "باتريك ريبو" تتحقق

بغداد عطشى وتغرق.. نبوءة "باتريك ريبو" تتحقق

د. فراس مصطفى

لم يكن ذلك الرجل الذي سيكون محور الحديث في هذا المقال رجلا عاديا, إنما كان شخصا مميزا وباحثا كبيرا و له مؤلفات وبحوث عديدة في مجال اختصاصه الذي ولع به أيما ولع, عالم المياه الفرنسي الشهير وأحد أشهر خمسة علماء في مجال المياه في أوروبا والصديق الوفي للعراق و الإنسان المشهود له بمواقفه النبيلة في دعم العراقيين المقيمين في فرنسا على مدى عقود, إنه ((البروفسور باتريك ريبو)).

 

 في بداية ستينات القرن الماضي, قرر شاب فرنسي يدعى ((باتريك))  السفر إلى العراق, الموضوع طبيعي جدا في ذلك الزمان أن يقرر شاب فرنسي زيارة العراق لاسيما وإن هذا البلد فيه من الحضارة والتاريخ ما يجعله قبلة المستشرقين المولعين بحضارة وادي الرافدين التي شغلت جيل ذلك الزمان والأجيال التي سبقتهم, لكن الغريب في الأمر إنه قرر السفر إلى العراق بدراجة هوائية !!!

 

ركب دراجته متجها نحو العراق في وقت لم يكن هناك نظام يحدد الاتجاهات عبر الأقمار الصناعية ولم تكن هناك هواتف نقالة تقرب المسافات ولا انترنيت يجعل من العالم قرية صغيرة إنما كانت هناك خرائط رسمها البعض وفقا للتجربة البشرية لإعانة عشاق السفر في تحديد مساراتهم ووجهاتهم, دامت رحلته ستة أشهر حتى وصل مدينة الموصل ليقضي فيها وقتا ويعيش مع أهلها ثم ليكمل سفرته نحو الأهوار في أقصى جنوب العراق مرورا ببغداد وبعض المدن الأخرى, عاش مع العراقيين و تعلم منهم الكثير وأتقن عاداتهم و كتب عنهم ووثق سفرته بآلاف الصور القيمة ورسم عشرات الخرائط التي تعد اليوم من النوادر.

 

بعد سنوات من ذلك التاريخ عاد إلى العراق ليكمل دراسته في الدكتوراه عن المياه مختارا (ناظم الثرثار) لبحثه الميداني الذي قضى فيه عدة أشهر ليحصل على الدكتوراه بامتياز, لم يتوقف عند ذلك الحد إنما عاد في صيف العام 1968 بثلاثة سيارات جديدة من نوع (رينو 4) سخرتها له شركة رينو مجانا لرحلته البحثية مع مجموعة من طلبته في جامعة السوربون بالتعاون مع جامعة بغداد للأشراف على بحوثهم عن المياه في العراق, تزامن وجوده في بغداد مع انقلاب السابع عشر من تموز وكان في حينها يسكن في دار الطلبة الواقع على بعد عشرات الأمتار من بناية وزارة الدفاع في الباب المعظم وشهد أحداثا نادرة صورها بعدسته لتكون تلك سفرته الأخيرة للبلد الذي عشق مياهه و أرضه و كان يسميه (ميزوبوتيميا).

 

ظل ((باتريك ريبو)) طيلة العقود اللاحقة متابعا لوضع العراق المائي ولم يتوقف في بحوثه عن المياه في بلاد الرافدين حتى توصل في منتصف سبعينات القرن الماضي إلى نتائج خطيرة و مهمة جدا جعلته يطلق نبوءته عن الجفاف القادم و يدق ناقوس الخطر عما سيؤول إليه وضع المياه في العراق والعطش الذي سيلحق ببغداد و حاول جاهدا أن يوصل نتائج بحوثه والحلول الناجعة التي وضعها لمن يهتم بالشأن العراقي لكن محاولاته توقفت عند أبواب السفارة العراقية التي كان همها الوحيد آنذاك هو شراء الذمم و الأقلام لتبييض وجه النظام الشمولي الأسود أمام الفرنسيين وتغطية الفظائع التي كان يرتكبها بحق شعبه في وقت كانت فيه أبواب السفارة مشرعة للمرتزقة و تجار القلم لكنها مغلقة في وجه العلماء والمفكرين.

 

سقط النظام الشمولي وسقطت معه كل الأقنعة الزائفة و دخل العراق في نفق الأرهاب والطائفية المظلم, لكن باتريك لم يكل أو يمل في محاولاته لإنقاذ (ميزوبوتيميا), حاول مرات و مرات أن يوصل نتائج بحوثه و حلوله لمن كان يظنهم أنهم سيكونون مهتمين بها, لكنه لم يجد ترحيبا أو أذانا صاغية في ظل سفارة لا تمثل العراق بقدر ما تمثل أحزاب السلطة والكتل المتصارعة التي جاءت بها المحاصصة المقيتة.

 

لقد كنت محظوظا بالتعرف على هذا العملاق عندما قدمه لي رئيس المنتدى العراقي في باريس المهندس مهدي الحافظ حين كنت دبلوماسيا في الملحقية الثقافية في باريس وعندما جلس هذا الرجل أمامي و بدأ يحدثني عن سفراته و تجاربه و بحوثه وحلوله شعرت بشعور عالم الآثار (هوارد كارتر) حين فتح قبر (توت عنخ أمون), لقد كان باتريك ريبو بكل هذا العطاء وبتلك النتائج التي خرج بها والحلول التي قدمها لإنقاذ بلاد الرافدين من الجفاف والعطش عبارة عن كنز نادر بهيئة رجل, ودعته بعد انتهاء اللقاء واتصلت مباشرة بالسفير لأخبره بالاكتشاف العظيم, لكني صدمت لرد فعل السفير البارد!!!

 

بعد جهود مضنية في التنسيق كان فيها الفضل الكبير لرئيس المنتدى العراقي في باريس لتنظيم أمسية لهذا العالم الجليل ليقدم ما عنده, نجحنا في تحديد موعد الأمسية وكنا نحسب الساعات والدقائق لها, لكن الكارثة كانت في الإهمال المتعمد الذي قوبل به يومها, فقد وصل الرجل قبل موعده المفترض عند الساعة الخامسة مساء وهي عادة الفرنسيين في الوصول مبكرا تحسبا لأي طارئ قد يؤخرهم عن الموعد, كنا نتوقع أن السفير سوف يكون أول المستقبلين, لكننا لم نجد حتى موظفا محليا في السفارة, وحين سألنا حارس البناية أعلمنا بأن هناك وفد برلماني في الطريق للسفارة و قد ذهب الجميع لاستقباله ومرافقته!!!

بعد دقائق وصل الوفد البرلماني و امتلأت القاعة بالدبلوماسيين والعاملين في السفارة الذين تتفتق مواهبهم وتبرز نشاطاتهم عند استقبال أحد المسؤولين القادمين من بغداد!!!  و بدلا من استغلال هذه الفرصة

العظيمة لتقديم عالم المياه ((باتريك ريبو)) لذلك الوفد العبقري, أهملوه وفسحوا المجال لأعضاء الوفد البرلماني ليتصدر الجلسة التي كانت مهيأة له مسبقا!!!

 

 بدلا من الحديث عن سبب رحلتهم الرسمية لباريس المنصب على الوضع الأمني المتردي في العراق وكيفية حله, بدأ أحد أعضاء الوفد البرلماني حديثه متفاخرا بارتدائه الكوفية والعقال في جادة الشانزلزيه وكيف استوقفنه بعض المراهقات الفرنسيات لالتقاط الصور معه وهو بهذا الزي وأنهى حديثه عما يمتلك في العراق, أما الأخر فقد كان حديثه منصبا على الأرصفة في شوارع باريس و قضى حديثه كله متغزلا بتلك الأرصفة !!! والأسوأ منهما, ذلك العبقري الثالث الذي كان يتحدث عن أمور لا علاقة لها بالشأن الفرنسي و لا بالشأن العراقي إنما تحدث عن نظريته العظيمة في استنساخ رئيس حزبه !!!

 

مضت ساعتان ونصف حتى أكمل أعضاء الوفد البرلماني أحاديثهم السمجة و نظرياتهم العبقرية في الاستنساخ واكتشافاتهم العظيمة في مجال الأرصفة ليتركوا المجال أخيرا لعالم المياه للحديث عن الكارثة المائية و حلولها التي شملها بحثه الموسوم (بغداد عطشى), وما إن مرت عشر دقائق على حديثه حتى بدأت إحدى الموظفات الدبلوماسيات التي كانت تجلس في نهاية القاعة بإثارة الشوشرة المتعمدة في الحديث مع موظفة أخرى وإطلاق النكات والاستهزاء بصوت مسموع عما يقدمه هذا العالم تبعتها إشارات لمساعد السفير الذي كان يدير الجلسة لإنهائها لأن (سعادة) السفير كان قد ترك القاعة قبل أن يبدأ الرجل حديثه متحججا بالتزامه بموعد رسمي, فأنهى مساعده الجلسة بطريقة مخجلة وأتضح أنهم كانوا على موعد عشاء قد أعد خصيصا لعباقرة الوفد منطبقا عليهم المثل (عند البطون تعمى العيون) !!

 

رحل ((باتريك ريبو)) وفي نفسه غصة عن بغداد بعد أن تحققت نبوءته عن الكارثة المتوقعة التي عصفت ببلاد الرافدين وقضت على أعظم مصادر ثرواته ألا وهي المياه, وها هي اليوم بغداد تغرق من مياه الأمطار في الوقت الذي مازالت عطشى و قد خسرت معظم مساحاتها الخضراء و هو حال العراق بمجمله, ولو إهتم من يحكم العراق لما كان في جعبة هذا الرجل لكان الحال أفضل مما عليه اليوم.

 

 يكفيه فخرا إنه أوصى حين علم بدنو أجله أن يتلى على مسامع مودعيه لمثواه الأخير أغنية أم كلثوم ((بغداد يا قلعة الأسود)) حباً ببغداد التي عشقها, والعار لمن لم يستمع لهذا العالم الكبير و كان يفتخر بصور التقطها مع مراهقات باريس و يتفاخر بما يملك في العراق, والعار مضاعف لمن يتغزل بأرصفة باريس ومعظم شوارع بغداد مازالت حطاما تملؤها الازبال و تغرقها أول زخة مطر, والعار أضعاف لذلك المتملق الانتهازي الذي تخلى عن نظريته في استنساخ رئيس حزبه حين خسر مقعده البرلماني و راح يبحث عن شخصية أخرى تعيد له السلطة والجاه ليستنسخها وعن كتلة جديدة ليرمي عليها الكساء !!!   

       

 

مقالات أخرى للكاتب