رأي

هيئة "دلالية" الاستثمار في دولة بسماية الصديقة

هيئة "دلالية" الاستثمار في دولة بسماية الصديقة

أحمد حسين

ما الذي ينظم حياتنا في العراق، العقد الاجتماعي، أم الدستوري، أم القانوني، أم الديني، أم الحزبي، أم العشائري، أم العقد المزاجي -ولن استرسل أكثر فهناك الكثير من الـ"أم"-، كيف تدار دولتنا، هل هناك من ضوابط نحتكم إليها أم أن الأمور تسير وفق "مشتهيات" بعض المسؤولين حتى وإن كانت مخالفة للدستور والقانون والأعراف؟.


في مجمع بسماية السكني التابع لبغداد، عاصمة العراق، تجري أمور في غاية الغرابة لا تتفق مع الدستور العراقي الذي من المفترض أنه القانون الأعلى الحاكم للبلاد، لكن في واقع الحال لا أبالغ إذا قلت أن هذا المجمع مستقل عن العراق في بعض الجوانب، ويكاد يكون دولة مستقلة.


على سبيل المثال لا تسمح هيئة الاستثمار للزائرين بدخول المدينة إلا إذا قام أفراد عائلاتهم أو أقاربهم أو أصدقائهم بـ"كفالتهم"، وهو شرط مخالف للدستور والقانون، الهيئة "تمنع" دخول أي ضيف إلا إذا نظم مضيفه "كفالة" يتحمل بموجبها التبعات القانونية عن أي فعل يصدر من الضيف، ولا أعلم أن لدينا مسوغ لهذا الشرط العجيب إلا إذا كان لدى الهيئة دستورها وقانونها الخاص بها دون غيرها من مؤسسات الدولة، بل لنفترض أن هذا الضيف مجرم أو حتى إرهابي سواء نال عقوبته القانونية أو ما زال طليقاً، فهل هناك نص دستوري أو قانوني يمنعه من السكن في أي مكان في العراق، أو يمنعه من زيارة عائلته أو أقاربه أو أصدقائه؟.


الأمر لا يقف عند هذا الحد، فالساكن في بسماية الذي لا يملك سيارة شخصية سيواجه عقوبة غريبة، فهيئة الاستثمار منعت دخول سيارات الأجرة "التاكسي" إلى المجمع إلا إذا تعهد الساكن بتحمل المسؤولية القانونية عن أي فعل يقوم به هذا السائق، ما يعني أنني أتحمل كل مخالفة أو جريمة يقوم بها السائق الذي أستأجرته من الشارع ولا أعرف أخلاقه ولا نواياه ولا ميوله لإيصالي أنا وعائلتي إلى مسكني، ما يستوجب أنني ملزم لإجراء بحث قانوني واستخباري وأخلاقي واجتماعي عن كل سائق أستأجره إذا أردت العودة إلى مسكني في بسماية!.


هل في الدستور وقانون العقوبات ما يجعلني مسؤولاً عن جرائم أو مخالفات غيري حتى وإن كان ابني او ابنتي، وهل مدينة بسماية دولة مستقلة عن العراق وهيئة الاستثمار حكومة تستن قوانينها الخاصة بها، وهل أهل بسماية ملائكة وما سواهم شياطين، وهل الدستور وقانون العقوبات مجرد حبراً على ورق، وهل نعيش نحن في دولة أم "دويلات" تحكمها الأمزجة؟.


ما الذي يجعل مدينة بسماية مميزة عن غيرها، المتعارف عليه أن المجتمعات هي التي تصنع الدول والمدن والمباني وليس العكس، لا نعلم أن مجمع سكني أو مدينة أو دولة خلقت مجتمعاً مثالياً بل المجتمع – الشعب بما يختاره من حكام ومشرعين – هو من يصنع مدينته بقيمها ومبانيها وتحضرها او تخلفها؟.


الأمر لا يقف عند هذه الاجتهادات الأمنية التي ما أنزل بها الله ولا الدستور من سلطان، بل يتعداها إلى ما أسميه "ابتزاز" باسم الدولة، فهيئة الاستثمار وبحسب نظامها الداخلي وقانون الاستثمار هي مؤسسة مرتبطة بمجلس الوزراء وتعتمد في تمويلها على الموازنة العامة وهي ليست من الوزارات أو الهيئات أو الدوائر التي تعتمد التمويل الذاتي، ما يعني أنه حتى إذا استحصلت هذه الهيئة أية إيرادات تحت أي مسمى فيجب أن تذهب لخزينة الدولة، ومنذ تأسيس الهيئة في العام 2006 ولغاية اليوم لم أقرأ في الموازنات العامة أية فقرة في باب الإيرادات تتحدث عن أموال رفدت بها هيئة الاستثمار خزينة الدولة، بالتالي أين تذهب المبالغ التي تستحصلها هيئة الاستثمار وما هو مسوغها القانوني؟.


بحسب النظام الداخلي لتشكيلات الهيئة الوطنية للاستثمار الذي أقره مجلس الوزراء في جلسته الاعتيادية التاسعة والأربعين المنعقدة بتاريخ 26/11/2013، قرار رقم 4 لسنة 2013، والذي نشرته الجريدة الرسمية، جريدة الوقائع العراقية في عددها 4304 في كانون الأول 2013، نصت المادة الثامنة من الفصل الثاني من النظام الداخلي للهيئة على أن: للهيئة موازنة سنوية مستقلة تتكون من مواردها من المبالغ التي تخصص لها من الموازنة العامة للدولة.


إذاً ما هو المسوغ الدستوري أو القانوني أو في النظام الداخلي لأن تتحول هيئة الاستثمار وتحديداً مكتبها في مجمع بسماية السكني إلى مكتب "دلالية" تتقاضى أجوراً ورسوماً مخالفة للقانون بل أنها "ابتزاز" للمواطنين باسم الدولة.
لا تسمح الهيئة للمواطن أن يختار الشقة التي يريدها ولا حتى الطابق الذي يسكنه ولا حتى العمارة التي يفضلها ولا حتى المجمع "البلوك" الذي يرغب أن يسكن فيه، ولا أدري أي مادة في الدستور أو القانون تسلب المواطن حق اختيار مسكنه؟.


لكن، الهيئة تسمح لكن بالاختيارات المذكورة آنفاً بشرط، إذا دفعت نصف قيمة الشقة سوف تسمح لك "قداسة" الهيئة بأن تسكن في الطابق الأرضي لكن لا يحق لك أن تختار العمارة أو المجمع "البلوك"، وإذا لم تدفع النصف فالهيئة "متفضلة" تشترط عليك أن تدفع مليونيّ دينار لتسكن في الطابق الأول أو الثاني، وأيضاً لا يحق لكن اختيار الطابق أو العمارة أو "البلوك" فالأمر يخضع لمزاج الكومبيوتر أو موظف الهيئة المقدسة، بل إذا أردت أن تنتقل من عمارة إلى أخرى نفس "البلوك" أو الانتقال من "بلوك" إلى آخر فلابد أن تدفع الرسم المقدس النصف مليون دينار.


مجمع بسماية هو مشروع استثماري و"سماحة" الهيئة من المفترض أن وظيفتها تشجيع الاستثمار وترغيب وجذب مختلف الشرائح الاجتماعية والاقتصادية لشاريعها، لكنها وبدلاً من أن تجذبنا لمجمع بسماية تحولت إلى مكتب دلالية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فهي تمنع صاحب الشقة من أن يؤجر شقته إلى مستأجر وفرضت عليه دفع مبلغ 500 ألف دينار لكي تسمح له بذلك، أي أنها مثل صاحب مكتب دلالية العقارات الذي لا يقدم لك منزلاً أو شقة لكي تسكنها إلا إذا استوفى منك مبلغ إيجار شهر ومن صاحب المنزل أو الشقة مثل ذلك أو نصفه، أي إذا استأجرت شقة بمبلغ 300 ألف دينار فعليك أن تدفع مثل هذا المبلغ للدلال وصاحب الشقة يدفع نصف المبلغ أيضاً، أي الدلال يحصل على 450 ألف دينار كأجور ترويج وتأجير للشقة، لكن على ما يبدو أن هيئة دلالية الاستثمار لا يعجبها هذا المبلغ، لذلك فرضت على صاحب الشقة أن يدفع مبلغ نصف مليون دينار لكي تسمح له بتأجير شقته للساكن الفلاني لتمنح هذا الساكن "المخدوع المبتز" من قبل الهيئة أن يسكن في أرض بلاده، أما إذا غادر هذا المستأجر الشقة فعلى من يسكن غيره أن يدفع نفس المبلغ لكي يحصل على موافقة الاستئجار، ليس هذا فقط، إذا لم يحصل على "مباركة" موافقة الهيئة فهي تمنع أطفاله من التسجيل في المدرسة والروضة والحضانة لأنه "دخيل" على هذه الدولة.


أمر آخر يساهم في إفشال هذا المجمع بسبب الهيئة، فقد فرضت وجود مجمع تجاري واحد "مول" بمبلغ طائل، وفرضت على مستأجري المحال فيه أن لا تتشابه مهنهم مما اضطر صاحب "المول" إلى تأجير المحال ببدلات إيجار باهظة وبالتالي اضطر أصحاب هذه المحال إلى رفع أسعار بضائعهم وهو أمر انعكس سلباً عليهم وعلى سكان المجمع الذين اختاروا التبضع من محال وأسواق خارج المجمع، وهنا أتساءل أي دولة هذه التي يحكمها مكتب دلالية بصفة مؤسسة دولة،؟!.


حين نطلع على هذه الفوضى سنعرف لماذا لن ينجح الاستثمار في بلادنا التي كل ما فيها صالح للاستثمار ويسيل له لعاب كل صاحب رأسمال وشركة ودولة، إذا أرادت الحكومات السابقة –في حال عادت مجدداً- واللاحقة أن تنشط القطاع الخاص فعليها أولاً أن تعيد النظر بمن يديرون هيئة الاستثمار.

مقالات أخرى للكاتب